المسرح العربيمقالاتمهرجانات

غنام غنام… سندباد المسرح العربي، تهديه الدار البيضاء مفتاحها المسرحي

غنام غنام… سندباد المسرح العربي، تهديه الدار البيضاء مفتاحها المسرحي

بقلم : أحمد طنيش

هناك فنانون تحضر أسماؤهم، وهناك فنانون تحضر معهم سيرة مرحلة كاملة؛ سيرة زمان ومكان وفعاليات وأجيال. وحين يُذكر اسم غنام غنام، لا تحضر شخصية مسرحية فحسب، بل تستحضر معه جغرافية عربية واسعة، وأسماء وتجارب ومحطات أسهمت في تحريك سؤال المسرح وإبداعه، وفي بناء جزء من الذاكرة المسرحية العربية المعاصرة.

غنام غنام واحد من هذه العينة.

عرفه المسرح المغربي، وعرفته الدار البيضاء، منذ مدخل المسرح الجامعي، في بداية التسعينيات من القرن الماضي، حين كان فناناً شاباً يحمل معه تجربة تتطلع إلى أفق أكبر، ويأتي إلى الخشبة المغربية حاملاً أسئلة المسرح العربي، ومحملاً بحلم أن يكون المسرح فضاءً للفعل والتفكير واللقاء.

لذلك، فالدار البيضاء لا تستقبل غنام غنام اليوم استقبالاً عابراً، ولا تتعرف إليه للمرة الأولى من خلال سيرته العربية الطويلة التي امتدت من أريحا إلى عمّان والشارقة، ومن المسرح العربي إلى مسارح العالم.

المدينة تعرفه من مكان آخر: من بوابة المسرح الجامعي.

تعرفه من خشبة احتضنت عروضه، ومن مهرجان جمعه بأجيال من المسرحيين والطلبة والفنانين، ومن لقاءات وعلاقات تراكمت على امتداد عقود، حتى أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة هذا المسرح، مثلما أصبح المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء جزءاً من ذاكرة تجربته.

عرفته الدار البيضاء منذ القرن الماضي لأكثر من ثلاث عقود، من بوابة المسرح الجامعي، وعرفته الخشبة المغربية من خلال عروض قدمها في المهرجان وفي مدن مغربية أخرى. ثم عاد إليها في أدوار أخرى، عضواً في لجان التحكيم، وفاعلاً في لقاءات المسرحيين، وظلت العلاقة تتطور مع أسماء وفعاليات وذاكرة هذا المسرح، وصولاً إلى حضوره ضمن لجان التحكيم في مهرجان المسرح الوطني بمكناس.

حسن الصميلي… مدخل آخر إلى الحكاية

في خلفية هذا التعارف الأول يقف اسم الأستاذ حسن اصميلي، مؤسس المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء والعميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، كانت البداية كما يحكي غنام كلبة لقاء دقيقية أو دقيقتين فامتد اللقاء ولم يكن مجرد محطة في برنامج مهرجان عابرة؛ بل فتح اللقاء أمام غنام غنام باباً إلى المغرب، كما فتح أمام المسرح الجامعي المغربي نافذة على تجربة عربية كانت تتشكل وتتسع، وعلى فنان سيصبح، مع مرور الزمن، أحد أهم الأسماء الحاضرة في مساحات متعددة من المسرح العربي.

ومن هنا تصبح عودة غنام غنام إلى الدار البيضاء اليوم أكثر من زيارة فنية، أنها نستالوجيا استمرار وتفاعل بين الرجل والمدينة وعودة إلى مكان موسوم من الذاكرة المسرحية.

في الدورات الأولى للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء، كانت تلتقي أسماء وطاقات ووجوه سيحمل بعضها لاحقاً أسماء بارزة في المسرح المغربي. وكان حضور طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي لافتاً، من بينهم فوزي بن سعيد، لطيفة أحرار، لمباركي، محمد أمين بنيوب، نور الدين زيوال، مسعود بوحسين، عبد المجيد الهواس، عصام اليوسفي، رفيقة بن مومن، محمد الشوبي، حفيظة بعدي، سعاد خويي وحفيظة خويي، ومجايلات فنية وأجيال “ليزداك” إلى جانب طلبة الجامعات المغربية وفعاليات مسرحية من العالم العربي ومناطق مختلفة من العالم.

كانت الدار البيضاء آنذاك لا تنظم مجرد مهرجان، بل كانت تفتح فضاءً للتعارف المسرحي، ولتكوين شبكة من العلاقات الإنسانية والفنية التي ستتجاوز زمن الدورة إلى ما بعدها، وكانت تتفاعل التجارب في مؤتمر مسرحي فوق العادة يصل في سنة 2026 إلى دورته 38.

غنام غنام كان واحداً من الذين دخلوا هذه الذاكرة، ثم عادوا إليها بأدوار مختلفة.

من ذاكرة الخشبة إلى لقاء اليوم

اليوم، 29 شتنبر 2026، في الثانية بعد الزوال، يستقبل المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط غنام غنام، في لقاء يستعيد فيه المكان شيئاً من ذاكرته أيضاً.

تستقبله مديرة المعهد لطيفة أحرار، وهي طالبة المعهد بالأمس وأستاذ به حاليا وقبل مهمة المديرة بنفس المعهد، وواحدة من الوجوه التي ارتبطت بدورها بذاكرة المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء.

في هذا اللقاء يعود غنام غنام إلى فضاء التقى فيه بالأمس بطلبة وأطر صاروا اليوم فاعلين في المسرح المغربي، وسيلقي محاضرة لفائدة طلبة السنة الثالثة تشخيص، في إطار ماستر كلاس حول “الفكرة والموقف في لعب الممثل”، ضمن درس تطبيقي مفتوح للحضور.

إنها لحظة تتقاطع فيها الأجيال.

الفنان الذي عرف المسرح الجامعي المغربي في بداياته، يلتقي اليوم بجيل جديد من طلبة المسرح، وبعض الذين كانوا بالأمس طلبة صاروا اليوم مسؤولين وفاعلين في المجال، أنه تأسيس لسيرورة تاريخية تخاطب ديمومة المستقبل.

هكذا لا يصبح اللقاء مجرد محاضرة، بل حلقة أخرى في سلسلة طويلة من انتقال المعرفة المسرحية من جيل إلى جيل.

الدار البيضاء… موعد جديد مع غنام غنام

تأتي هذه اللحظة قبيل حضور غنام غنام في الدار البيضاء، من 30 شتنبر إلى 4 أكتوبر 2026، ضمن فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي.

غير أن حضوره هذه المرة ليس حضور ضيف عابر، إنه ضيف شرف، ومحاضر، ومشارك في ندوة، ومقدم لعرض مسرحي. وهكذا يلتقي الحاضر بالماضي، ويلتقي الفنان الذي قطع جغرافيات عربية واسعة بمدينة سبق أن عرفته من الخشبة الجامعية، قبل أن تتسع تجربته وتتعدد مسؤولياته ومواقعه ومشاريعه.

فالدار البيضاء لا تستقبل اليوم اسماً مسرحياً عربياً فقط؛ إنها تستعيد فصلاً من ذاكرتها.

من أريحا… إلى سندباد المسرح العربي، غنام غنام حكاية مسرحية قائمة بذاتها، حكاية عمرها أكثر من أربعة عقود من التجربة جعلته يتحرك بين التمثيل والتأليف والإخراج والبحث والتكوين والعمل المؤسسي، دون أن يحصر نفسه في وظيفة مسرحية واحدة.

بدأ ممثلاً، لكنه لم يحبس تجربته داخل التمثيل. كتب وأخرج، وأسهم في تأسيس فرق مسرحية، واشتغل على النص والبحث والتدريب، وانفتح على المسرح المدرسي وقضايا المسرح العربي، وظل في حركة دائمة بين الخشبة والمختبر والمؤسسة والفضاء التكويني.

هو القادم من أريحا إلى عمّان، ومن الشارقة إلى عواصم عربية متعددة، وصولاً إلى اليابان، وتتسع الخريطة من محطة إلى أخرى، لكن الخيط الناظم لا يتغير: الإيمان بأن المسرح قادر على أن يسأل، وأن يتذكر، وأن يفتح فضاءً للحوار.

لهذا يبدو وصفه بـ “سندباد المسرح العربيّ” أكثر من استعارة عابرة.

فالجغرافيا ليست مجرد مسافات قطعها غنام غنام؛ إنها جزء من تكوين تجربته. انتقل بين مدن ومهرجانات ومؤسسات وفرق وفضاءات مسرحية، وحملت أعماله نصوصاً وأسئلة وذاكرة من مكان إلى آخر، وتكريمات هنا وهناك ترسخيا فعل وصفة سندباد المسرح العربي، لم يكن السفر والسنبدة عنده انتقالاً جغرافياً فقط، بل كان انتقالاً للأفكار والتجارب، وتوسيعاً لمساحة اللقاء بين المسرحيين العرب وبين المسرح والثقافات الأخرى.

غنام غنام… حين يصبح الفنان ذاكرة

لا تختصر تجربة غنام غنام في عدد الأعمال التي كتبها أو أخرجها أو مثل فيها، ولا في الجوائز التي حصل عليها.

الأثر الحقيقي للتجربة يمكن أن يُقرأ أيضاً في الفرق التي أسسها أو شارك في تأسيسها، والمؤسسات التي اشتغل معها، والأجيال التي دربها، والنصوص التي أعيد تقديمها، والمسارح التي حملت أعماله إلى جمهور جديد.

من “موال المسرحية” و”مختبر موال المسرحي” إلى “فرقة المسرح الحر” ثم “مسرح فلسطين الحرة”، ظل هاجسه يتجاوز صناعة العرض إلى صناعة المجال المسرحي نفسه.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص هذه التجربة:

غنام غنام ليس فقط من يقف تحت الضوء، بل هو أيضاً من اشتغل على صناعة المجال الذي يجعل الضوء ممكناً.

إنها مسافة مهمة بين الفنان بوصفه مؤدياً لدور، والفنان بوصفه فاعلاً في بناء البيئة التي ينمو داخلها المسرح.

فلسطين… الوطن الذي حمله إلى الخشبة

وفي قلب هذه الرحلة تظل فلسطين حاضرة، في كل إبداعاته من “عائد إلى حفا” مرورا بـ”سأموت في المنفى” وصولا إلى أحدث إبداعاته وليست آخرها، يحث يحمل غنام غنام فلسطين إلى المسرح، ويحمل المسرح إلى فلسطين.

وهذه واحدة من أكثر المفاتيح دلالة في تجربته: أن يتحول المسرح من مكان للعرض إلى مكان لحفظ الذاكرة، ومن حكاية فرد إلى سؤال جماعي.

الهيئة العربية للمسرح… من الفنان إلى بناء المؤسسة

لا يمكن قراءة سيرة غنام غنام خارج علاقته بالهيئة العربية للمسرح، فهو من الأسماء التي ارتبطت بالهيئة منذ بدايات تأسيسها، وتولى مسؤوليات داخلها، وعمل في مقر أمانتها العامة بالشارقة، حيث اشتغل في الإعلام والنشر، ثم انتقل إلى مسؤوليات مرتبطة بالتأهيل والتدريب والمسرح المدرسي، وواصل حضوره في مشاريع الهيئة وبرامجها.

وفي هذا المسار يلتقي جهده مع عمل المؤسسة التي يقود أمانتها العامة الأستاذ المبدع إسماعيل عبد الله، ومع أطر فنية وإدارية أسهمت في بناء برامج ومشاريع أصبحت جزءاً من حركة المسرح العربي المعاصر.

كما ارتبط اسم الرجل بالمجال الإعلامي لمهرجان المسرح العربي عبر دوراته، وبعدد من برامج الهيئة ومشاريعها.

كيف يمكن أن يتحول المسرح العربي من عروض متفرقة إلى فعل ثقافي عربي متواصل؟

إنه سؤال لا تجيب عنه الخشبة وحدها، بل تحتاج الإجابة عنه إلى المؤسسات، والتكوين، والتوثيق، والنشر، والتواصل، وإلى بناء جسور بين المسرحيين والباحثين والكتاب والنقاد والشباب. في هذا المستوى تحديداً، يصبح حضور غنام غنام داخل المؤسسة امتداداً طبيعياً لاشتغاله على المسرح خارجها.

فالمسرح عنده ليس عرضاً ينتهي بإسدال الستارة؛ إنه معرفة، وتكوين، وذاكرة، وعلاقة، ومؤسسة، وحوار.

حين يعود الفنان إلى المكان الذي عرفه أولاً

لهذا، فإن حضور غنام غنام في الدار البيضاء في خريف 2026 يحمل معنى يتجاوز برنامج مهرجان أو ماستر كلاس أو عرضاً مسرحياً. إنه عودة فنان إلى مدينة عرفته قبل أن تتسع جغرافيته المسرحية.

عودة إلى مدينة دخل منها إلى جزء من ذاكرة المسرح المغربي، قبل أن يحمل تجربته إلى فضاءات عربية ودولية أخرى.

وعودة أيضاً إلى جيل من المسرحيين الذين عرفوه في بدايات الطريق، وإلى جيل جديد يلتقي به اليوم من موقع مختلف: هو الفنان الذي راكم تجربة، وهم طلبة يبحثون عن أدواتهم وأسئلتهم ومواقفهم على الخشبة.

بين الأمس واليوم، تتغير الأسماء والمواقع، لكن المسرح يحتفظ بقدرته على وصل ما كان بما هو كائن وما سيكون.

وهنا ربما تكمن قيمة هذه العودة.

فالدار البيضاء لا تستقبل غنام غنام فقط؛ إنها تستعيده من ذاكرتها، وتعيد وضعه في المكان الذي بدأت منه الحكاية..

من أريحا إلى الدار البيضاء، ومن الخشبة إلى المؤسسة، ومن الشارقة إلى العواصم العربية، ومن فلسطين إلى المسرح العربي، يواصل غنام غنام سيرته المفتوحة.

سيرة فنان لم يكتف بأن يكون في المسرح، بل ظل يبحث عن معنى أن يكون المسرح في الإنسان، وفي الذاكرة، وفي المكان، وفي الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!