أنا.. أنا : لير بين عرش شكسبير و ذاكرة العراق. : د. كاظم العمران

أنا.. أنا : لير بين عرش شكسبير و ذاكرة العراق.
«أنا.. أنا» لا يستعيد «الملك لير» بقدر ما يستنطقه عراقياً؛ وهذه هي قوته، وهي في الوقت نفسه أخطر أسئلته الجدلية. فالعنوان ذاته يضع «الأنا» في مركز العلامة: أنا الملك، أنا الأب، أنا السلطة، أنا الضحية، وربما أنا العراق. ومن هنا يصبح جسد عزيز خيون، بجلوسه وهيئته وصوته وانتقالاته من التماسك إلى الانكسار، والصفقات المتكررة بيده ندماً.. ليس مجرد أداة لأداء الشخصية، وإنما حاملاً لتحولات السلطة نفسها. لقد بدا أداؤه مختلفاً عن حضوره في «شرقي عذابات»؛ ( العرض السابق على على خشبة المسرح نفسها) إذ كان أكثر اشتغالاً على الانهيار الداخلي، وأقل اعتماداً على الطاقة الخارجية، الأمر الذي جعل العلامة الجسدية جزءاً من إنتاج المعنى لا مجرد تجسيد للشخصية.
غير أن هذا التحول يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام لير شكسبيري جرى تعريقه حقيقةً ، أم أمام لير عراقي اتخذ من شكسبير قناعاً جمالياً؟ الفارق بين الاثنين ليس بسيطاً؛ لأن الأول يحافظ على مركزية المأساة الشكسبيرية ويعيد تأويلها محلياً، أما الثاني فيستخدم شكسبير مدخلاً لبناء خطاب سياسي عراقي جديد.

و اذا ما تفحصنا الاعداد النصي حين يقول لير : ” صنعت مُلكاً من الحديد.. من الحرب.. من الدم..” ويستمر إلى ان تلهمه الرياح.. وينعتها بالمؤامرة التي تحاك ضدهُ……. إذ يقول : ” أيها الرياح الملعونة تدورين حولي راقصةً زاهقة……..” انها دلالة واضحة ركزتها المخرجة على أداء الممثل عبر نظام الجسد في نسقٍ تأويلي يجمع بين المونودراما والتمثيل الصامت و الايقاع الحركي فضلاً عن الدلالات و التشفيرات السياسية.
وهنا تحديداً تكمن المساءلة الأهم للمخرجة: إذا كان لير يحيل إلى نماذج من القادة العراقيين، فمن هو المقصود بالضبط؟ وهل العلامة المسرحية تحيل إلى شخص بعينه، أم إلى بنية السلطة العراقية؟ وهل المقصود هو الحاكم الذي يحيط نفسه بالمنافقين، أم الحاكم الذي يظن أن الولاء الشخصي دليل على شرعية السلطة، أم السياسي الذي لا يكتشف حقيقة من حوله إلا بعد فوات الأوان؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر حدة لأن مأساة لير ليست في كونه حاكماً مستبداً بالضرورة، بل في عماه عن الحقيقة. ولذلك فإن إسقاطه على القادة العراقيين لا يكتمل بمجرد تشابه العرش أو السلطة؛ بل يحتاج إلى الكشف عن آلية إنتاج العمى السياسي: التملق، الحاشية، احتكار القرار، تقديس الشخص، نصائح البهلول..و الخلط بين الولاء للوطن والولاء للحاكم، ثم اكتشاف الحقيقة بعد انهيار السلطة.
وهنا كان يمكن للعرض، لو أراد الذهاب أبعد في تأويله العراقي، أن يجعل العلامات أكثر التباساً وذكاءً: هل الخلل في القائد وحده، أم في البيئة التي تصنع القائد وتصفق له ثم تتخلى عنه؟ وهل بنات لير الثلاث يمكن أن تتحول دلالياً إلى مؤسسات أو قوى سياسية أو جماعات مصالح؟ وإذا حدث ذلك، فهل يظل لير أباً وبناته الوريثات ، أم يتحول إلى بنية سياسية عراقية كاملة؟
ومن زاوية سيميائية، فإن أهم ما يحسب للعرض هو أن الممثل كان أكثر حركة من المكان. جمود الديكور جعل الخشبة أقرب إلى فضاء ثابت للذاكرة، فلم نرى تغيراً للعمق البته فيما تولت الإضاءة إنتاج التحولات التي لم ينتجها المكان. منذ بداية العرض و تسليط ذلك البروجكتر على اعين الجمهور بقدية تامة، وجاءت الأزياء بشكل لائق رغم ابتعادها عن البيئة العراقية.. لكن هذا يفتح سؤالاً جمالياً آخر: إذا كان الفضاء ثابتاً، فهل أرادت المخرجة أن تقول إن السلطة العراقية تتغير وجوهها بينما يبقى المكان السياسي ثابتاً؟ أم أن جمود السينوغرافيا كان مجرد خيار تشكيلي لم يستثمر دلالياً بالقدر الكافي؟
أما ضعف الموسيقى، فيبدو أكثر وضوحاً عدا ذلك الصوت البشري صاحب الهمهمات الشجية، لأن عالم لير قائم أصلاً على اضطراب سمعي ونفسي هائل. كان يمكن للموسيقى أن تكون علامةً على التشظي الداخلي، لا مجرد مكوّن مصاحب. ومع ذلك، فإن حيوية الأداء ووضوح الحكاية أنقذا العرض من أن تتحول محدودية بعض العناصر السمعية والبصرية إلى عائق أمام الفعل الدرامي.
والأهم أن العرض لم يفقد الحكاية الشكسبيرية في زحمة الإسقاط العراقي؛ رغم تذبذب الايقاع، وهذه نقطة تحسب له. فالاقتباس السياسي الناجح لا ينبغي أن يقتل الأصل، بل أن يستخرج منه ما لم يكن مرئياً في الأصل بالنسبة إلى المتلقي الجديد.
ولهذا أضع المخرجة أمام السؤال الأكثر قسوة: إذا كان «لير» هو صورة للقائد العراقي، فأين تقف «كوردليا» عراقياً؟ ومن يمثلها؟ وأين يقف الشعب؟ وهل العاصفة التي تضرب لير هي عاصفة السلطة أم عاصفة الوطن؟
إذا استطاع العرض أن يجيب عن هذه الأسئلة من خلال علاماته وأفعاله، فإنه لا يكون قد قدّم «ملك لير» عراقياً فحسب، بل يكون قد حوّل شكسبير إلى أداة لقراءة الوعي السياسي العراقي جمالياً قبل الدخول إلى مهاريق عالم السياسة، أما إذا كانت الإحالات السياسية لا تتجاوز التشابه الخارجي بين لير وبعض القادة، فإنها تبقى إسقاطاً مباشراً يفقد المسرح شيئاً من قوته التأويلية.
ومن هنا أرى أن القيمة الحقيقية لـ «أنا.. أنا» ليست في أن تقول: هذا هو لير العراقي، مثلما قلت المخرجة قبل بدء العرض، بل في أن تجعل المتلقي يسأل نفسه: كم ليراً عراقياً مرّ بنا، وكم مرةً كنا نحن كوردليا التي تقول الحقيقة، أو الحاشية التي تصنع الوهم، أو الجمهور الذي لا يكتشف سقوط الملك إلا بعد سقوطه؟
وهنا بالضبط يتحول المسرح من محاكمة القائد إلى محاكمة منظومة الوعي التي تصنع القائد؛ وهذه، في تقديري، هي المنطقة التي كان يمكن للعرض أن يغامر فيها أكثر، وهي أيضاً المنطقة التي تمنحه قيمته النقدية الحقيقية.
شكراً لكل يدٍ خيرةٍ ساهمت في صنع الجمال.. شكراً لجميع كادر العرض.. والموفقية للجميع.




