المسرح العراقيمقالات

بين انثيالات المونودراما ورتابة السرد: قراءة سيميائية في عرض مسرحية (شرقي .. عذابات).

بين انثيالات المونودراما ورتابة السرد: قراءة سيميائية في عرض مسرحية (شرقي .. عذابات).

بقلم الدكتور محمد حماد

     في مرافئ التجريب المسرحي العراقي، يرسو عرض مسرحية (شرقي .. عذابات) للمخرج (حسن خيون)، لا كحكاية تُروى، بل كوثيقة سيميائية تقتحم تلافيف الواقع العراقي المعاصر، لتطرح إشكالية (المرئي والمسموع) عبر تقاطع لغة الحوار مع الفضاء الجمالي لرسم ملامح الوجع الإنساني، وهنا ومما وراء اللغة والضجيج، يتأتى استقصاء البنية المقطعية والاشتغال السمعي في (شرقي .. عذابات)؛ فالعنوان هنا ليس عتبة نصية تقليدية، بل هو مفتاح يكتنز شفرات بنيوية تستوجب التأويل، إذ تبدو جملة (شرقي .. عذابات) بتركيبها غير المألوف وتجاوزها لقواعد الوصف والإضافة النحوية الرصينة، وكأنها تُحاكي في إيقاعها اللغات المقطعية القديمة؛ السومرية أو الأكدية، مما يمنح العنوان أبعادا وجودية تتجاوز الدلالة الجغرافية نحو دلالات زمنية منسية، تعكس محاولة هذا النص المسرحي للتعبير عن عجز اللغة المعاصرة عن استيعاب حجم العذابات التي يعتصرها هذا الشرق، وعليه يشي العنوان بأن الرؤية الإخراجية اعتمدت على استراتيجية بصرية وذاكراتية، تنأى عن السرد الحواري المباشر لصالح لغة الصورة والإيحاء، متحولة بذلك إلى بوصلة لاستنطاق ذاكرة الحروب العراقية المثقلة بالأوجاع، وفق صياغة درامية ممتدّة زمنيا – بحسب فحوى العرض من حقبة سبعينيات القرن العشرين وصولا إلى تجليات الواقع الراهن – إن هذا الاشتغال ينمّ عن سياق تنظيمي في بلورة تجربة مسرحية تجريبية، تتطلب من المتلقي تفكيكا تأويليا للأنساق البصرية والسمعية المطروحة في العرض، بما يخدم استكمال الصورة الفنية التي سعى العنوان إلى تجسيدها في ثناياه، بوصفه يُظهر دلالة على محاولة لتوثيق الجرح الوطني عبر قوالب جمالية متجددة، تضع الممارسة المسرحية في مواجهة مباشرة مع تساؤلات الراهن.

     ما إن نتجاوز عتبة الصالة نحو فضاء العرض، حتى تتكشف أبعاد السينوغرافيا بشقيها الأرضي والفضائي؛ فالفضاء الأرضي يتشكّل عبر خطوط طولية وعرضية متقاطعة، تُشكّل مربعات رصاصية تحاكي بمرجعية بصرية سطوح المنازل العراقية؛ إذ يبرز (البساط الأحمر) على (التيغة) كأيقونة لذاكرة سبعينيات القرن العشرين، في مفارقة حادة مع صرامة الألواح الكونكريتية التي أرست معالم صمت عزلة الاحتلال بعد عام 2003م، حين أحاطت بهذا السطح، واضعة المتلقي أمام تساؤل وجودي مُلح:-

أهي الجدران التي قسرتنا على الانكفاء نحو السطوح، أم أنها تجسيد لسطحية الحياة التي فُرضت على الوعي الجمعي الراهن؟!

     وفي المقابل، يتحرّك الفضاء الضوئي في مدارات من الغموض والعزلة، ليغدو الممثل نقطة ضوء يتيمة تتشظى في ليل سرمدي من الحروب، وهو توظيف مكاني يعكس الرؤية التشكيلية التي انتهجتها المنظومة الإنتاجية للعرض، لإعادة قراءة المتغيرات السياسية عبر أنساق بصرية جمالية مكثّفة، وعلى الرغم من الوهج الأدائي للفنان الكبير (عزيز خيون) وفريق العمل، إلا أن الرؤية الإخراجية بدت وكأنها تُقيد الطاقات الأدائية ضمن أطر من الثبات المكاني، مما جعل الفعل المسرحي يترنّح أمام سطوة السرد، فقد استغرق العرض في استعراضات مونودرامية غلب عليها الطابع الخطابي، مما أفضى به إلى حالة من التلقّي السمعي التي توارى فيها الفعل المسرحي الحي خلف ركام السرد؛ وهنا يبرز تساؤل نقدي حول استراتيجية (التشتيت الذهني المتعمّد) التي انتهجها المخرج؛ إذ تبدو الرتابة والإيقاع المتئد خيارا إخراجيا مقصودا، سعت من خلاله المنظومة الإنتاجية للعرض إلى إغراق المتلقّي في حالة من الإنهاك الذهني لتمرير الخطاب دون ممانعة نقدية، أو هكذا يبدو؛ غير أن هذا التشتيت، الممزوج بالتنافر بين الاستاتيكية الجسدية للممثلين والصخب الصوتي المُكثف للمؤثرات، لم يُفض إلى توازن جمالي، بل خلق اضطرابا حسيا وضع المتلقي في حالة من التضاد بين سكون الأداء وصخب البناء السمعي.

     تأسيسا على ما تقدّم، تظل تجربة (شرقي .. عذابات) وثيقة مسرحية مثيرة للجدل، إذ تجاوزت أطر الفرجة التقليدية لتتحول إلى فضاء للتأمل في إشكالية تهافت اللغة وتضخّم السرد، لقد أفضت بنا هذه القراءة إلى تجاذبات دلالية في جسد العرض؛ إذ كشف التحليل عن تضاريس جمالية لافتة، يتوهّج فيها الخيال في الفضاء السيميائي، ليخبو في ممرات التنفيذ الحركي، فحين استقامت الرؤية البصرية على صهوة الإبداع محلّقة في آفاق التأويل، تعثّرت مفاصل الفعل المسرحي في مسارات الأداء؛ لتبقى الفرجة متأرجحة بين سطوة رؤية حلّقت عاليا، وإيقاع حركيّ قسره التمهّل على الاختناق؛ إذ امتلكت المنظومة الإنتاجية قوة في الرؤية السيميائية البصرية، إلا أنها واجهت تحديات في مرونة التنفيذ الحركي للفعل المسرحي، مما يطرح تساؤلا جوهريا يتجاوز حدود العرض ذاته: –

  • كيف يمكن للمسرح أن يحرر الذات الشرقية من رتابة سرده المأزوم، ليعيد إليها حيوية الفعل والحضور فوق خشبة المسرح؟

     إن هذه التجربة، بما حملته من إشراقات بصرية وإخفاقات إيقاعية، تظل مشروعا قابلا للبحث والتقييم في سياق الممارسة المسرحية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى