غنام غنام في “طار الحمام”.. ست نساء يكتبن الحكاية ويواجهن العالم

غنام غنام في “طار الحمام”.. ست نساء يكتبن الحكاية ويواجهن العالم
أحمد طنيش ـ الدار البيضاء
قراءة أفق انتظارها، المنجز الإبداعي لغنام غنام، وتفاعلا مع دلالة العنوان “طار الحمام”
ثمة عناوين مسرحية لا تقود القارئ مباشرة إلى الحكاية، بل تضعه في حالة انتظار وتأويل. ومن هذا المدخل، يأخذنا عنوان المجموعة المسرحية «طار الحمام» للكاتب والممثل والمخرج غنام غنام إلى منطقة تتجاوز الدلالة المباشرة للعبارة، وتستدعي أسئلة الغياب والحضور، والذاكرة والانتظار، وما يتركه الرحيل من أثر في الإنسان والمكان.
في أفق هذا الانتظار، حضرت إلى ذاكرتي تجربة لويجي بيرانديللو في مسرحيته الشهيرة “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، حيث يضعنا المسرح أمام مفارقة الشخصيات التي تبحث عمن يمنحها وجودها الدرامي، ويجعل من العلاقة بين المؤلف والشخصية والواقع موضوعاً مسرحياً قائماً بذاته. ولا ندري، في امتداد تلك المغامرة، هل عثرت الشخصيات على مؤلفها أم ظل بعضها معلقاً في سؤال الانتظار، على نحو ما يستدعيه عالم بيكيت في “في انتظار غودو”.
لكن الانتظار في “طار الحمام” يأخذ اتجاهاً آخر. فغنّام غنّام لا يقدم شخصيات تبحث عن مؤلف، بقدر ما يحتفي بست نساء يعرفهن ويعرفنه، يمنحهن فضاء الكلام والفعل، ويجعل منهن مؤلفات لحيواتهن، وشريكات في كتابة الحكاية وصناعة الحدث والفارقة. إننا هنا أمام انتقال من شخصية تنتظر أن يكتبها الآخر إلى امرأة تكتب ذاتها، وتعيد ترتيب علاقتها بالعالم، وتواجه ما يحيط بها من قيود وأسئلة ومصائر.
لهذا، فإن جمع ست مسرحيات وست نساء في كتاب واحد ليس مجرد ترتيب لأعمال إبداعية متفرقة، ولا فعلاً توثيقياً غايته حفظ النصوص من النسيان. إنه أقرب إلى إعلان عن مشروع جمالي وفكري تتقاطع فيه الحكايات الفردية مع الذاكرة الفلسطينية، وتتحول فيه التجارب الشخصية إلى مرايا لأسئلة الوطن والمنفى والحرية والكرامة الإنسانية.
ست نساء في ستة نصوص: آمنة في «طار الحمام»، وهي في «صباح ومسا»، وحياة في «حياة حياة»، وهي في «الأبواب/الحبيب المجهول»، وبدرانة في «بدرانة»، وفاطمة في «البحث عن حنظلة». ست شخصيات لا يجمعها مصير واحد، ولا تتحرك داخل فضاء حكائي متجانس، لكنها تلتقي في كونها ليست موضوعاً للحكاية، بل صاحبة الحكاية وصانعة تحولاتها. هن نساء غنام غنام، لا بمعنى الامتلاك، وإنما بمعنى العلاقة الإبداعية التي تجعل الكاتب قريباً من عوالم شخصياته، منصتاً إلى أصواتها، ومتيحاً لها أن تكشف ما لا تقوله الحكايات الجاهزة.
المرأة من موضوع الحكاية إلى صانعة المصير
هنا تكمن إحدى العلامات الأساسية في هذا المنجز: المرأة لا تدخل النص لتكمل صورة الرجل، ولا لتكون خلفية عاطفية للأحداث، ولا لتؤدي وظيفة رمزية جاهزة، بل تستعيد موقعها في مركز الفعل المسرحي. إنها تتكلم، وتختار، وتحتج، وتحب، وتخيب، وتقاوم، وتكشف ما تخفيه العلاقات الإنسانية من اختلالات، وما تفرضه البنى الاجتماعية من قيود. ومن خلال أصواتها، يفتح المؤلف أسئلة تتجاوز حدود التجربة النسائية لتلامس بنية المجتمع ومفهوم العدالة والحق في الاختيار.
إن تعدد النساء هنا ليس مجرد تنويع في الشخصيات، بل تنويع في زوايا النظر إلى الحياة. فكل امرأة تحمل عالماً خاصاً، وتجربة لها شروطها وذاكرتها وتناقضاتها، لكنها في الوقت نفسه تضيء جانباً من عالم أوسع. وبذلك لا تصبح المرأة استعارة واحدة تختزل في الأم أو الحبيبة أو الضحية أو المناضلة؛ إنها كائن متعدد، تتجاور في داخله القوة والهشاشة، الرغبة والخوف، الحلم والانكسار، والقدرة على المواجهة.
وقد يكون للرقم ستة، الذي تنتظم حوله هذه المجموعة، مجال لتأويل رمزي يوازي البناء الفني. فالعدد ستة ارتبط في بعض التصورات الرمزية بفكرة التوازن والاكتمال والانسجام، وبمحاولة وصل الفكرة بتجسيدها المادي. ولا يتعلق الأمر بإسقاط معنى جاهز على النصوص، بقدر ما يتعلق بقراءة اختيار المؤلف ست مسرحيات وست نساء باعتباره بنية تسمح بالتعدد داخل الوحدة: ستة مسارات مستقلة، لكنها تتجاور لتشكّل عالماً مسرحياً واحداً. فالاكتمال هنا لا يعني إغلاق المعنى، وإنما اتساعه عبر اختلاف التجارب وتكامل الأسئلة.
من جرح المكان إلى أسئلة العلاقة والحرية
في «طار الحمام»، تتصل الحكاية بجرح الاقتلاع واللجوء، حيث تصبح المرأة حاملة لذاكرة البيت والمكان، وشاهدة على ما يتركه فقدان الوطن في تفاصيل الحياة اليومية. فالمنفى ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل اقتلاع من شبكة العلاقات والذكريات والعادات والوجوه التي تمنح الإنسان إحساسه بالانتماء. ومن خلال المرأة، بما تختزنه من ذاكرة شخصية وجمعية، يتخذ فقدان المكان بعداً إنسانياً ملموساً؛ يصبح البيت أكثر من جدران، ويغدو الغياب تجربة تتكرر في تفاصيل الحياة وفي علاقة الإنسان بماضيه وحاضره.
أما «صباح ومسا» و«حياة حياة»، فتقتربان من تعقيدات العلاقة بين المرأة والرجل، ومن المسافة التي تفصل الأحلام الشخصية عن القوانين الاجتماعية وتناقضاتها. هنا ينتقل السؤال من المجال الوطني إلى المجال الحميمي، لكن هذا الانتقال لا يعني مغادرة السياسة بمعناها الإنساني الواسع؛ فالعلاقة بين الرجل والمرأة تتشكل بدورها داخل منظومة من القيم والسلطات والتوقعات الاجتماعية. وما يبدو حكاية عاطفية قد يكشف، في عمقه، عن صراع حول الحرية والاختيار والاعتراف المتبادل.
وفي «بدرانة»، يتقدم سؤال العنف والظلم الموجهين ضد المرأة، لا بوصفهما واقعتين معزولتين، بل باعتبارهما جزءاً من واقع اجتماعي يستدعي المواجهة وكسر الصمت. فالمسرح لا يكتفي بعرض الألم أو استدرار التعاطف معه، بل يضع المتلقي أمام شروط إنتاجه، وأمام مسؤولية النظر في أشكال العنف التي قد تتخفى داخل المألوف والعلاقات اليومية.
تأخذ الذاكرة الوطنية منحى آخر في «البحث عن حنظلة»، حيث يستدعي النص الرمز الفلسطيني وما يحمله من دلالات المقاومة والهوية والتمسك بالحق. إن حضور حنظلة لا يقف عند حدود الإحالة إلى شخصية رمزية، بل يفتح باباً لاستعادة الذاكرة الجمعية، واستحضار فلسطين بوصفها قضية حاضرة في الوجدان، لا مجرد واقعة من الماضي. وهكذا تتجاوز الشخصية النسائية حدود تجربتها الفردية لتلتقي بالرمز الوطني، ويصبح الخاص مدخلاً إلى العام.
بينما تفتح «الأبواب/الحبيب المجهول» مجالاً للتأمل في العاطفة الإنسانية، وفي التباسات الحب والخيانة والانتظار، وما تتركه العلاقات من أسئلة داخل النفس البشرية. فالأبواب، بما تحمله من دلالات العبور والانغلاق والاحتمال، يمكن أن تقرأ بوصفها عتبات بين ما نعرفه وما نجهله، وبين الرغبة في الوصول والخوف مما ينتظر خلف الباب. والحبيب المجهول ليس بالضرورة شخصاً غائباً فقط، بل قد يكون صورة لما يبحث عنه الإنسان في علاقته بالآخر وفي علاقته بذاته.
فلسطين في الذاكرة.. والإنسان في قلب المسرح
ما يمنح هذه النصوص وحدتها ليس تشابه موضوعاتها، بل الخيط الذي يربط الخاص بالعام، والذاتي بالوطني. فالحب ليس منفصلاً عن شروط العيش، والمرأة ليست معزولة عن تاريخ مجتمعها، والبيت ليس مجرد مكان للسكن حين يكون الوطن نفسه مهدداً بالفقد. كما أن قضايا المرأة لا تقف عند حدود المطالبة بالإنصاف الاجتماعي، بل تتصل بسؤال أوسع: كيف يمكن للإنسان أن يمتلك قراره وحريته وحقه في صياغة حياته؟
في هذا السياق، لا تبدو فلسطين خلفية جاهزة للأحداث، ولا مجرد شعار يضاف إلى النصوص، وإنما ذاكرة تتسرب إلى تفاصيل الإنسان، وإلى علاقاته ومخاوفه وأحلامه. فالوطن ليس فقط أرضاً يجري الدفاع عنها، بل هو أيضاً لغة وبيت ووجوه وحكايات وحق في الحياة. ومن هنا تتجاور مأساة الاقتلاع مع أشكال أخرى من القهر، ويتقاطع سؤال التحرر الوطني مع سؤال التحرر الإنساني، دون أن يفقد كل منهما خصوصيته.
إن ما يقترحه غنام غنام هو مسرح يشتغل على تعدد مستويات الذاكرة: ذاكرة الفرد، وذاكرة المرأة، وذاكرة المكان، والذاكرة الجمعية. وكلما اقترب النص من تجربة شخصية، اتسعت دلالته نحو أسئلة أعمق. فالشخصية لا تمثل نفسها فقط، لكنها لا تفقد خصوصيتها أيضاً؛ إنها تظل امرأة لها اسمها وحكايتها ومصيرها، وفي الوقت ذاته تحمل شيئاً من وجع جماعة ومن تاريخ مكان.
الكتابة المسرحية بوصفها استعادة للصوت
من اللافت أن هذا البناء يضع المسرح أمام وظيفة تتجاوز إعادة تمثيل الواقع. فالمسرح هنا مساحة لاستنطاق ما سكتت عنه الحكايات، وإعادة الاعتبار للأصوات التي كثيراً ما جرى اختزالها أو تهميشها. إن منح الشخصيات النسائية سلطة الكلام وصناعة الحدث يغيّر زاوية النظر إلى الوقائع، ويجعل المتلقي أمام ضرورة إعادة التفكير في الروايات الجاهزة، وفي المواقع التي اعتاد المجتمع أن يضع فيها المرأة والرجل والوطن والذاكرة.
تتجلى خصوصية التجربة أيضاً في تعدد موقع غنام غنام الإبداعي، فهو الكاتب والممثل والمخرج، بما يجعل النص المسرحي جزءاً من تصور أوسع للفعل المسرحي. فالكتابة لا تنفصل عن إمكانات الجسد والصوت والحركة والفضاء، والشخصية لا تكتمل بمجرد وصفها، بل بما تحمله من توتر داخلي، وبقدرتها على تحويل الكلام إلى فعل، والذاكرة إلى حضور، والألم إلى سؤال مفتوح أمام الجمهور.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المجموعة باعتبارها دعوة إلى إعادة اكتشاف المسرح بوصفه لقاءً بين النص والإنسان، وبين الحكاية ومن يتلقاها. فالمتلقي لا يواجه ست حكايات مغلقة، وإنما ست تجارب تترك أمامه مساحات للتأويل والمساءلة. وكل نافذة تفتح على عالم، لكنها تترك نوافذ أخرى مفتوحة، لأن قيمة المسرح لا تكمن في تقديم أجوبة نهائية، بل في القدرة على جعل الأسئلة أكثر حضوراً وإلحاحاً.
ست نوافذ.. وذاكرة لا تغلق أبوابها
طار الحمام؛ إذن ليس عنواناً جامعاً لست مسرحيات فقط؛ إنه مدخل إلى رؤية تجعل من المرأة نقطة عبور نحو قراءة أوسع لفلسطين والإنسان. ست نوافذ لا تطل على حكايات متشابهة، بل على تجارب مختلفة يجمعها الإصرار على ألا يكون الإنسان مجرد ضحية لما يُفرض عليه، وألا تتحول الذاكرة إلى ماضٍ مغلق، وألا يصير الصمت قدراً.
إن النساء الست لا يكتبن مصائرهن وحدهن، بل يكتبن عبر تجاربهن شيئاً من مصير المكان والذاكرة والوطن. وبين آمنة وهي وحياة وبدرانة وفاطمة، تتشكل خريطة إنسانية تتسع للمنفى والحب والعنف والانتظار والمقاومة، وتؤكد أن الحكاية التي تبدأ من امرأة قد تنتهي إلى سؤال وطن، وأن ما يبدو تجربة فردية قد يكشف عن جرح إنساني مشترك.
لعل قيمة هذا السفر المسرحي تكمن في أنه لا يطلب منا أن ننظر إلى النساء بوصفهن شخصيات في نصوص فحسب، بل أن نصغي إليهن بوصفهن ذواتاً تمتلك حق الكلام والاختيار وصناعة المعنى. هنا لا يعود «طار الحمام» مجرد عنوان يستدعي الغياب، بل يصبح سؤالاً عن الذين رحلوا، وعن الذين ينتظرون، وعن الذين يواصلون كتابة الحياة رغم الفقد.
ست نساء، ست حكايات، وست نوافذ على الروح؛ ومن خلفها فلسطين، لا باعتبارها جغرافيا للوجع وحده، بل باعتبارها ذاكرة وحقاً وحياة، والإنسان وهو يخوض معركته المفتوحة من أجل الحرية والكرامة.
لإشارة: ست نساء، لهن التحية والتقدير من فاطمة الهواري، التي لاتصالح ولكنها تضم صوتها لصوت نساء غنام غنام.




