المسرح العراقيبغداد الدولي للمسرحمقالاتمهرجانات

حين تُدار الثقافة بالصدفة.. حول تاجيل مهرجان بغداد الدولي للمسرح

حين تُدار الثقافة بالصدفة.. حول تاجيل مهرجان بغداد الدولي للمسرح

بقلم : حاتم عوده

طبعا ليس تاجيل الدورة السابعة لمهرجان بغداد الدولي للمسرح في حد ذاته هو العاصفة التي تضرب الوسط المسرحي العراقي اليوم؛ فالعالم بمهرجاناته الكبرى وتظاهراته الفنية العريقة قد يضطر في لحظة فارقة إلى إرجاء حدث ما لأسباب مالية قاهرة أو ظرف لوجستي طارئ. والوسط المسرحي والثقافي العراقي برمته ليس بمعزل عن واقع البلد، فهو يدرك تماما حجم الاختناقات الاقتصادية والأزمات المالية التي تمر بها مؤسسات الدولة. لكن الأزمة الحقيقية، والمؤلمة حد الفجيعة، لا تكمن في شح الأموال ولا في ضائقة الميزانيات، بل تكمن في الكيفية الرديئة التي تُدار بها الملفات الثقافية السيادية، وفي استمرار هيمنة عقلية “اللحظات الارتجالية الأخيرة” على أروقة مؤسسة كان يُفترض بها أن تكون العنوان الأول للنظام، والدقة، والجمال، والتقدير العالي للزمن، ألا وهي وزارة الثقافة والسياحة والآثار.

إن المفاجأة الصادمة التي أُصيبت بها الأوساط الفنية وجمهور المسرح العراقي، قبل يومين فقط من موعد انطلاق الدورة السابعة لمهرجان بغداد الدولي للمسرح (دورة الفنان القدير رائد محسن)، ونحن نقرأ بيانا رسميا باهتا يُعلن تأجيل المهرجان الذي كان من المفترض أن ينطلق في العاشر من تشرين الأول أي بعد يومين فقط تُعد شوطا جديدا ومثيرا للغضب من أشواط التخبط العشوائي والارتجال المطلق مما يشي بعدم وجود اي تخطيط .

ولنا هنا أن نطرح الأسئلة المسكوت عنها بكل صراحة ووضوح: كيف لوزارة يُفترض أنها عريقة ومسؤولة عن وجه العراق الحضاري أن تتعامل مع مهرجان دولي يحمل اسم العاصمة بغداد بهذه الخفة والاستهانة؟ ولمن وجهت الوزارة هذا الإعلان المتأخر جدا؟ هل وجهته للجمهور العراقي الذي انتظر بشغف، أم للفرق العربية والأجنبية التي من المفترض انها في تلك اللحظة تحزم الحقائب والمعدات وتستعد للتوجه نحو المطار وصعود الطائرات نحو بغداد؟ ما الذي كانت تفترضه قيادة الوزارة وهي تضع هذا الملف على رف الانتظار حتى الساعات الأربع والثمانين الأخيرة؟ هل تنظر إلى المهرجان الدولي باعتباره موعدا بين صديقين على طاولة مقهى ؟ أم اعتبرته اجتماعا طارئا يُلغى أو يُؤجل بضغطة زر أو اتصال هاتفي؟

ألا تعلم الوزارة أن المهرجان هو عبارة عن تظاهرة دولية معقدة التراكيب؛ تضم ضيوفا وقامات فنية، وفرقا عربية ودولية، وحجوزات طيران، وتأشيرات دخول، وجداول ومواعيد دقيقة، وطباعة وتنقلات وفنادق، والتزامات مسرحية واستثمارات فنية هائلة يترتب عليها اسم العراق وسمعته أمام العالم؟ ثم ألم تكن الأزمة المالية التي تتذرع بها الوزارة اليوم شاخصة ومكتملة الملامح قبل أسابيع أو أشهر من الآن؟ ألم يكن من الأجدر، بل ومن أبجديات الشجاعة والشفافية الإدارية والتنظيمية، أن يُعلن قرار التأجيل بوقت مبكر يُجنب الجميع هذا الإرباك المهين، ويحفظ للمسرح العراقي هيبته التي هُدرت في أوراق البيانات المتأخرة؟

لكن المصيبة الأكبر والأنكأ لا تقف عند حدود الموعد الكارثي للقرار، بل تتعداه إلى الفجوة الصادمة والمعيبة بين ما كُتب في النص الرسمي للبيان وبين الواقع الميداني للمهرجان. بيان الوزارة لم يكن سوى وثيقة إدانة ذاتية كشفت بعفوية فاضحة عن حالة عزلة تامة واغتراب كامل تعيشه قيادة الوزارة عن التفاصيل الحقيقية للحدث. وأنا هنا، من موقع مسؤولية الكلمة والصحافة الحرة، أضع الوزارة وجميع مسؤوليها أمام تحدٍ علني واضح وصريح: هل يستطيع أي مسؤول في الوزارة أن يقدم للرأي العام وللإعلام كشفا دقيقا وموثقا بأعداد الدول التي تقدمت للمشاركة، أو عدد العروض التي قُبلت رسميا، أو قائمة الفرق التي انسحبت أو اعتذرت قبل إعلان التأجيل؟

إن الدليل الشاخص والأكيد على هذا الجهل المطبق بتفاصيل الحدث يصرخ من بين سطور البيان نفسه؛ إذ ادعت الوزارة أن المهرجان كان من المقرر أن يمتد من 10 إلى 17 تشرين الأول. وهنا يطرح المتابع الحصيف سؤالا مذهولا: من أين جاء السادة في الوزارة بتاريخ 17 تشرين الأول؟ فالبرنامج الفني والجدول المعلن للمهرجان لا ينتهي بهذا التاريخ إطلاقا! وهو ما يثبت بلا أدنى شك أن البيان صُيغ لذر الرماد في العيون، بعيدا عن أروقة اللجان التنظيمية والفنية والكواليس الفعلية للمهرجان.

ولم تتوقف مجافاة الواقع عند حدود التواريخ المخترعة، بل امتدت لتزعم أن قرار التأجيل جاء بعد “المداولة مع الجهة المختصة” المتمثلة بدائرة السينما والمسرح. وهذا الادعاء ليس إلا محاولة بائسة لتغطية الشمس بغربال؛ فالجميع في الوسط المسرحي يعلم علم اليقين أن الوزارة لا تمتلك التفاصيل المؤكدة، وأن أسرار المهرجان وحقائقه وأرقامه الجوهرية لا يحملها بدقة ويقبض على تفاصيلها إلا ثلاثة أطراف لا غيرها: رئيس المهرجان، ومدير المهرجان، وسكرتارية المهرجان الحصريون، والذين يشكلون اللجنة التحضيرية المصغرة.

وفي محاولة مكشوفة لاستغفال الوسط المسرحي والامتصاص الصوري للغضب العارم، جاء البيان محشوا بعبارات صُيغت ببرود يشبه استلال النصوص السطحية من أدوات الذكاء الاصطناعي، حين أصر البيان على تكرار بديهية عمياء ومضحكة مفادها أن “التأجيل لا يعني الإلغاء”! وهي عبارة طفولية تعكس كم الإرباك والذعر الذي تعيشه الوزارة. بديهي يا سادة أن التأجيل ليس إلغاءً، فلا داعي لأن تختبروا صبرنا بهذه السذاجة، إضافة إلى أن الجميع يعلم أنكم لستم قادرين على إلغائه قانونيا أو فنيا، ولو كنتم تملكون القدرة لربما فعلتموها واسترحتم!

إن ما حدث في طريقة تأجيل الدورة السابعة لمهرجان بغداد الدولي للمسرح يُعتبر جرس إنذار صارخا يخبرنا بأن مؤسساتنا الثقافية الكبرى تُساق اليوم بنهج الارتجال والصدفة، وأن سمعة الفن العراقي، التي بُنيت بعرق وجهود أجيال من العمالقة، تُترك لتكون ضحية لإدارة تفتقر لأبجديات التنسيق، والشفافية، والاحترام الأولي للمبدعين العراقيين ولضيوف العراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!