المسرح العربيمقالاتمهرجانات

غنام غنام بين أحضان المغرب: فلسطين على الخشبة وذاكرة المسرح في النقاش

غنام غنام بين أحضان المغرب: فلسطين على الخشبة وذاكرة المسرح في النقاش

بقلم : الطاهر الطويل

لم يكن حضور الممثل والمخرج المسرحي الفلسطيني غنام صابر غنام في المغرب ليمر مرور الكرام، فقد كانت مشاركته في فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، بوابة لعدة أنشطة توزعت بين الخشبة ومنصة الدرس ومنبر النقاش الفكري. ووجد الفنان غنام غنام نفسه في المغرب أمام جمهور متعدد: طلبة المسرح في الرباط، وجمهور العرض في الدار البيضاء، ثم المسرحيون والباحثون المشاركون في النقاش حول ذاكرة المسرح المغربي وسبل توثيقها. وكانت العقود الخمسة التي قضاها الفنان الفلسطيني في ممارسة المسرح حاضرة في هذه اللقاءات، من خلال الحديث عن تجربة الممثل، وعن المسرح باعتباره حاملا للذاكرة، وعن ضرورة حفظ ذاكرة المسرح نفسه من الضياع. في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالعاصمة الرباط، التقى غنام غنام طلبة السنة الثالثة بشعبة التشخيص، في «ماستر كلاس» حمل عنوان «الفكرة والموقف في لعب الممثل». وتجاوز اللقاء الدرس التقني في فن الأداء، إلى تجربة غنام الطويلة، ليناقش مع الطلبة محاور تتصل بجوهر فعل الممثل، خاصة العلاقة بين الفكرة والأداء، وبين الدور والموقف، وبين ما يقوله الممثل فوق الخشبة وما يريد أن يتركه لدى المتلقي. واستند غنام إلى تجربته الفنية لتكون مقدمة لرؤيته في كيفية تعامل الممثل مع الفكرة التي يحملها العرض، وكيف يمكن للأداء أن يتحول إلى موقف، وليس مجرد تنفيذ تقني لشخصية أو حركة فوق الخشبة. كما شدد في اللقاء، الذي نظم بتنسيق مع «فضاء تافوكت للإبداع» وإدارة المعهد، على أهمية الجمع بين المعرفة النظرية والتجربة العملية في بناء شخصية الممثل وصناعة حضوره المسرحي. وفي الدار البيضاء، حمل غنام غنام فلسطين إلى جمهور المهرجان من خلال عرضه «بأم عيني 1948»، الذي يتولى فيه أدوار المؤلف والمخرج والممثل، في عمل يستند إلى تجربة شخصية وذاكرة فلسطينية مرتبطة بالمكان والإنسان والهوية. ويوثق العرض لزيارة قام بها الفنان سنة 2017 إلى الأراضي الفلسطينية، رصد خلالها تفاصيل من الحياة اليومية للفلسطينيين ومظاهر تشبثهم بذاكرتهم وهويتهم. ويستحضر العمل، من بين محطاته، مدينة عكا وقبور شهداء ثورة البراق سنة 1929، في محاولة لتحويل الذاكرة الشخصية والتاريخية إلى فعل مسرحي يجمع بين التوثيق والأداء واستعادة المكان. ويمثل عرض «بأم عيني 1948» التجربة الثالثة في مسار غنام غنام المسرحي المرتبط بفلسطين، بعد «عائد إلى حيفا» سنة 2009، و»سأموت في المنفى» سنة 2016. وهي أعمال تتخذ من فلسطين مرجعا أساسيا في تجربته المسرحية، وتستعيد من خلالها الذاكرة الفلسطينية وتجارب الإنسان الفلسطيني فوق الخشبة. ولم يحتج غنام إلى فرقة كاملة في عمله هذا، إذ كان الجسد والصوت والحكاية أدواته الأساسية في تقديم تجربته على الخشبة وإقامة علاقة مباشرة مع الجمهور. وظهرت هذه العلاقة بشكل واضح خلال عرض ثان قدمه غنام لنزيلات مركز «عبد السلام بناني لحماية الطفولة» في العاصمة الاقتصادية. ووصفه الفنان في تدوينة بـ «عرض لا يشبه كل العروض التي قدمتها من هذا العمل»، وأضاف جازما بأنه «لن يشبه أي عرض قادم»، موضحا أنه كان يشعر، وهو يستعد لتقديمه، بـ «قلق لم أشعر به في عرض سابق». وعن دواعي هذا القلق، أوضح غنام متسائلاً: «كيف سأتحدث عن فلسطين والاحتلال وفراقي عن بناتي وأحفادي بسببه لفئة تفتقد النسب والعائلة؟ كيف وكيف وكيف؟» وعندما حانت لحظة العرض، يقول الفنان الفلسطيني: «كان القلب يتحدث للقلب، والمشاعر تشتبك بالمشاعر، وخرجن من العرض وهن ينادين: فلسطين وينو الاحتلال؟ لماذا لم تأت ببناتك للمغرب فيعشن في حماها؟» وكانت هذه الكلمات المدونة على جدار افتراضي في فيسبوك كافية لنقل تفاصيل اللقاء، وما رافقه من تفاعل بين الفنان والمتلقي، في عرض حضرته فتيات نزيلات مركز حماية الطفولة. أما المحطة الثالثة ضمن أنشطة غنام غنام في المغرب، فكانت الندوة العلمية التي شارك فيها ممثلا لمؤسسة «الهيئة العربية للمسرح» من الشارقة، وحملت عنوان «الاستثمار في توثيق المسرح المغربي: في الحاجة إلى مركز وطني للرصيد المسرحي المغربي». حيث انتقل الفنان من موقع المشخص فوق الخشبة إلى موقع المنشغل بذاكرة المسرح نفسها. واندرجت الندوة ضمن نقاش حول توثيق مسار المسرح المغربي وتجارب أجياله، وسبل حفظ رصيده المسرحي وإتاحته للباحثين والأجيال المقبلة. ويرتبط اهتمام غنام بالمغرب والمسرح المغربي والمسرحيين المغاربة بعلاقات وصداقات طويلة، أشار في إحدى تدويناته إلى أن بعضها يمتد لأكثر من 30 سنة، وهو ما حضر أيضا في مشاركته في النقاش حول توثيق ذاكرة المسرح المغربي. وفي تقرير إعلامي حول الندوة، أشار الإعلامي أحمد طنيش إلى أهمية توثيق ذاكرة المسرح المغربي والعربي، بما تتضمنه من صور وملصقات ونصوص، وحمايتها من الضياع، وتحويل الأرشيف المتناثر إلى رصيد معرفي متاح. وأشار إلى أن المشروع انطلق في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 بين النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية والهيئة العربية للمسرح، ضمن مبادرة «خزانة ذاكرة المسرح العربي»، لتوثيق المسرح المغربي الحديث منذ مئويته. وحسب المصدر نفسه، فقد صاغ المشروع وقاد لجنته العلمية عز الدين بونيت، بمشاركة نحو 30 باحثا، حيث أثمر العمل أرشيفا وصفيا من 5000 صفحة يغطي المنجز المسرحي تاريخيا وجغرافيا. أما عن موعد الإطلاق، فقد أعلن في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2026 عن إتاحة هذا الرصيد التوثيقي إلكترونيا في مستهل سنة 2027، ليكون مرجعا للباحثين ونواة لتأسيس متحف مسرحي مستقبلا.

المصدر : القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!