المسرح العربيمقالاتمهرجانات

بأم عيني 1948… حينما يصبح الحكي عبوراً إلى فلسطين غنام غنام: السارد الحاكي، عبر الحكي داخل الحكي

بأم عيني 1948… حينما يصبح الحكي عبوراً إلى فلسطين غنام غنام: السارد الحاكي، عبر الحكي داخل الحكي

أحمد طنيش ـ الدار البيضاء

في مسرح عبد الصمد الكنفاوي بالدار البيضاء، مساء السبت 3 أكتوبر 2026، لم يكن الجمهور أمام عرض مسرحي يروي فلسطين فحسب، بل أمام رجل يعيد عبور فلسطين بالحكاية، ويضع جسده وذاكرته وصوته في مواجهة المكان والتاريخ والحاجز والحدود، وذلك ضمن فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي.

قدم غنام غنام “بأم عيني 1948” بصفته المشاهد والشاهد، ونحن معه شهود، حضر غنام غنام الشخص وضمنه الممثل والحكواتي والراوي والدليل السياحي أو المشد والمؤرخ الشفهي في آن واحد؛ لكنه، قبل ذلك كله، كان صاحب سيرة شخصية وجدت نفسها مضطرة إلى أن تصبح سيرة جماعية.

العرض، الذي يمتد لنحو تسعين دقيقة، ينطلق من رحلة حقيقية قام بها غنام سنة 2017 إلى الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948، في محاولة للوصول إلى ابنتيه إيفان ورينا، اللتين لم يرهما منذ طفولتهما. وقد تحولت تلك الرحلة الواقعية إلى مادة مسرحية؛ وهو ما تؤكده مواد سابقة عن العرض، حيث يصف غنام نفسه العمل باعتباره امتداداً لمشروعه في المسرح الذاتي، القائم على العلاقة المباشرة بينه وبين الجمهور، وعلى تحويل السيرة الشخصية إلى مدخل لسرد تاريخ فلسطين وحالتها الاجتماعية والسياسية.

لكن أهمية العرض لا تكمن فقط في ماذا حكى غنام، وإنما في كيف جعلنا نرى ما يحكيه، وكان هو الحاكي داخل الحكاية، سيما ولم يبني مسافة كاملة بين الممثل والشخصية، ولم يختبئ خلف ديكور أو سينوغرافيا ضخمة أو تعدد في الشخصيات. بل وضع غنام الحكاية بينه وبين الجمهور، ثم بدأ في تحريك الأمكنة والأزمنة والشخصيات والوقائع من خلال صوته وجسده وإيقاعه.

إذا استعرنا من لويجي بيرانديللو مفهوم “المسرح داخل المسرح”، فإن ما يفعله غنام يذهب في اتجاه آخر: الحكاية داخل الحكاية، والسيرة داخل التاريخ، والتاريخ داخل السيرة.

فالرجل الذي يحكي لنا عن دخوله إلى فلسطين سنة 2017، يحكي في الوقت نفسه عن فلسطين 1948، وعن فلسطين ما قبل 1948، وعن فلسطين التي أعادت الحروب والحدود تقسيمها إلى طبقات من الذاكرة.

في لحظات كثيرة من العرض، يبدو غنام ذاك المرشد السياحي الذي استقدم زوارا وشهودا على معالم هي منه وهو منها، وقد وصلتنا فرحته بذكر المكان وحنينه وحتى بكائه الداخلي.

أخذنا غنام معه الليلة إلى حيفا وعكا والناصرة وترشيحا وغيرها من الأمكنة، وكان يوقفنا أمام المكان، ويشير إلى المعلم، ويستحضر اسمه، ثم لا يتركنا عند الحجر.

وهنا تبدأ وظيفة المسرح الحقيقية مع من يملك رواية المكان؟ الذي حول المكان من جغرافيا إلى وثيقة.

ـ أصبح الحجر شاهداً.

ـ أصبح البيت أرشيفاً.

ـ أصبحت الطريق خريطة للذاكرة.

ـ ,أصبحت المدينة نصاً مفتوحاً للقراءة.

لعل هذه إحدى أقوى خصائص العرض: أن غنام لا يكتفي بأن يحكي فلسطين، بل يجعلنا نتحرك معه داخل فلسطين التي في البال، بأم أعيننا جميعا.

إنها ليست سياحة في المكان، وإنما سياحة في ذاكرة المكان.

حيث زرنا أماكن عدة ومنها، بيت غسان كنفاني، ومسارح أفراد انتصرت على الاحتلال، وقال بأم أعينها أينه هذا الاحتلال، تلك اللازمة التي بنت الإيقاع الداخلي والخارجي للعرض، عبر رحلة عابرة للزمن.

نجح غنام في عبور حاجز، وعبرنا معه، حيث تجاوز حراسة، وكان الوصول إلى مكان، وفي كل مواجهة وعائق، يعود السؤال: أين هو الاحتلال؟

فتصبح العبارة أشبه بإشارة ضوئية تقطع السرد، ثم تعيد تشغيله.

وهنا تتحول اللازمة إلى ما يشبه اللازمة الموسيقية في الأغنية: لا تكرر المعنى فقط، وإنما تعمقه كل مرة.

حكي غنام غنام، لا ينتصر على الاحتلال وترسانته الرقابية فقط؛ إنه ينتصر عليه داخل فضاء الحكاية، حين يستطيع أن يدخل، ويرى، ويسجل، ثم يعود ليحكي، كمشاهد وشاهد رأى بأم عينه، وحولنا إلى شهود عيان.

من أهم ما يستحضره العرض أنه لا يتعامل مع سنة 1948 باعتبارها تاريخاً منفصلاً عن سياقه. ففلسطين التي يدخل إليها غنام في حكايته تحمل فوق ظهرها طبقات تاريخية وسياسية متراكمة، وضمنها قضية نابليون بونابرت وحملته على بلاد الشام سنة 1799، وما ارتبط بها من رسائل أو مناشدات إلى اليهود بشأن فلسطين؛ كما توجد الوثيقة المعروف باسم «إعلان نابليون لليهود» منسوبة إلى بونابرت مؤرخة في أبريل 1799، تدعو يهود آسيا وإفريقيا إلى الاصطفاف تحت رايته لإعادة تأسيس القدس القديمة.

وهنا تلتقي فلسطين بالمسرح.

السيرة الفردية التي أصبحت جماعية

ربما هنا تحديداً يكمن جوهر “بأم عيني 1948” التي يصرح لنا فيها غنام في ظاهر الحكاية:

هذه قصتي.

لكن المسرح يجعلنا نكتشف أنها ليست قصته وحده.

رجل فلسطيني بجنسية أردنية، يدخل إلى فلسطين، يبحث عن ابنتيه، يزور الأمكنة، يستعيد ذاكرته، ويتوقف عند تفاصيل الحياة اليومية. لكن خلف الأب الذي يبحث عن ابنتيه يوجد شعب يبحث عن وطن.

خلف الرحلة الفردية يوجد ملايين الفلسطينيين الذين حملوا سؤال العودة.

وخلف الطريق الذي قطعه غنام توجد طرق طويلة قطعتها عائلات فلسطينية من البيت إلى المنفى.

لذلك فإن السيرة هنا لا تصبح جماعية لأنها تتحدث عن قضية جماعية فقط، وإنما لأنها تمنح القضية وجهاً إنسانياً محدداً.

من هنا تبرز قيمة أخرى في العرض تتمثل في جانب التوثيق، حيث لا يبني غنام حكايته على الانفعال وحده؛ بل يسندها إلى الأسماء، والأماكن، والتواريخ، والوقائع، والذاكرة، والمشاهدات، وهذا يجعل العرض قريباً من مفهوم المسرح الوثائقي، لكنه لا يتحول إلى محاضرة تاريخية؛ لأن الوثيقة عنده تمر عبر الجسد والصوت والمكان، وقد وصف غنام في حديث سابق عن تجربته أنه يدخل في العرض توثيقاً للحظة التاريخية والمسار التاريخي، إلى جانب توثيق الحالة الاجتماعية والسياسية للشعب الفلسطيني.

العرض لا ينتهي عند سرد الماضي.

إنه يصل إلى السؤال الدارمي الأهم:

لماذا هزمونا؟

لماذا هزمنا؟

ولماذا نهزم؟

هنا ينتقل غنام من التاريخ إلى النقد.

ومن الحكاية إلى مساءلة الذات.

ومن “هم” إلى “نحن”.

وهذه النقلة هي التي تمنع العرض من أن يكون مجرد خطاب عن الضحية.

فالسؤال الأول يبحث في الآخر.

والثاني يعيد المسؤولية إلى الذات.

والثالث يضع الحاضر أمام المرآة.

وهكذا لا يصبح السؤال:

ماذا حدث لفلسطين؟

فقط.

بل: ماذا فعلنا نحن بما حدث؟

وما الذي تعلمناه؟

وما الذي لم نتعلمه؟

ولماذا تستطيع الذاكرة أن تبقى حية، بينما تعجز السياسة عن إنتاج حل؟

المسرح هنا ليس بديلاً عن التاريخ

قوة «بأم عيني 1948» لا تأتي من كونه يقدم تاريخ فلسطين كاملاً؛ فهذا ليس من وظيفة العرض.

قوته تأتي من أنه يجعل التاريخ يُعاش داخل لحظة مسرحية.

بهذه الرحلة والتجوال التاريخي الزمكاني والحسي في فلسطين الداخل، يقول لنا غنام في هذا العرض: لقد دخلت، رأيت، تجولت، عدت، والآن جاء دوركم أن تروا.

وربما لهذا السبب تحديداً ينجح العرض في تجاوز حدود السيرة الذاتية، ليصبح تمريناً مسرحياً على تحويل الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية.

إنها فلسطين كما رآها رجل.

لكنها، في النهاية، فلسطين التي أراد أن يجعلنا نراها بأم أعيننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!