في الملجأ: حين يصبح الصمت فعلًا مسرحيًا
"الملجأ"، من العروض المشاركة حاليًا في مهرجان الخريف بباريس.

في الملجأ: حين يصبح الصمت فعلًا مسرحيًا
بقلم : محمد سيف / باريس
قُدّم “الملجأ” أول مرة في يونيو 2026 بمسرح كوميديا جنيف، ثم في مهرجان أفينيون، ويُعرض حاليًا في باريس ضمن مهرجان الخريف، على خشبة مسرح المدينة الدولية.
منذ بدايته، نرى أن عمل “الملجأ” لا يتعامل مع المستقبل بوصفه زمنًا بعيدًا، بل كصورة مكبرة لحاضرنا. تدور الأحداث في فرنسا وقد ارتفعت درجة حرارتها خمس درجات. داخل ملجأ فاخر، يعيش بول، رجل شديد الثراء يواصل إدارة إمبراطوريته البتروكيميائية بواسطة جسد معزّز بزرعات عصبية. إلى جواره ابنته آمي التي توقفت عن الكلام. من هذه الوضعية البسيطة في ظاهرها، يبني ماتيو باريير وماريون سيفير عالمًا تتقاطع فيه الكارثة المناخية مع الرأسمالية، والتكنولوجيا مع الجسد، والسلطة مع الأبوة، والكلام مع الصمت. لكن المشكلة في “الملجأ” ليست أنه يقول أشياء كثيرة، بل أنه يريد أن يقولها كلها تقريبًا في الوقت نفسه.
بول هو الصورة الأكثر تطرفًا لفكرة النجاة الفردية. لقد امتلك المال، والتكنولوجيا، والمكان الذي يحميه من العالم. وحين تصبح الحياة خارجه مهددة، لا يفكر في تغيير العالم، بل في الانسحاب منه. غير أن المفارقة التي يقوم عليها العرض أن الملجأ الذي بناه ليحمي نفسه يتحول تدريجيًا إلى سجنه. لقد نجا من الكارثة، لكنه لم ينجُ من ذاته. وهنا يصبح المكان أكثر من مجرد فضاء للأحداث. الملجأ امتداد لثروة بول ولمنطقه في السيطرة: السيطرة على الطبيعة، وعلى العمل، وعلى الجسد، وعلى المستقبل. كأن النظام الذي ساهم في إنتاج الكارثة قد وجد لنفسه أيضًا وسيلة خاصة للهرب منها. لكن العرض يصبح أكثر إثارة حين تنتقل هذه المسألة من المجال السياسي إلى العلاقة بين الأب وابنته.

• آمي لا تتكلم.
هذا ليس تفصيلًا في بناء الشخصية، بل هو أحد أكثر القرارات الدراماتورجية أهمية في العرض. فلو دخلت الابنة في مواجهة كلامية مع أبيها، لأصبح الصراع مباشرًا ومألوفًا. لكنها تصمت، وبذلك تحرم الأب من الوسيلة التي مارس بها سلطته طوال حياته: الكلام. بول يتحدث ويشرح ويأمر ويبرر. لكنه كلما تكلم أكثر بدا أقل قدرة على التواصل. أما آمي، التي لا تتكلم، فتستعيد حضورها من خلال الجسد. وهنا ينقلب ميزان القوة: الرجل الذي يمتلك اللغة يفقد القدرة على التواصل، والابنة التي ترفض اللغة تستعيد قدرتها على المواجهة. الصمت، إذن في هذا العمل، ليس فراغًا. إنه فعل. وهذه هي إحدى نقاط القوة الحقيقية في العرض؛ لأنه لا يجعل الصمت مجرد رمز، بل يحاول أن يمنحه وجودًا ماديًا على الخشبة. حركات آمي، رقصها، استعمالها للأدوات والأسلحة، وطريقة احتلالها للفضاء، كلها تجعل الجسد لغة بديلة. ومعها يصبح السؤال أقل تعلقًا بمن يتكلم، وأكثر تعلقًا بمن يملك القدرة على أن يجعل الآخر يصغي.
في المقابل، يعيش بول في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا امتدادًا لجسده وعقله. لكن المفارقة أن كلما ازدادت قدرته التقنية، ازدادت عزلته الإنسانية. وهنا يكتسب الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العصبية معناهما الحقيقي في العرض: ليست المشكلة في أن الآلة أصبحت أكثر ذكاء، وإنما في احتمال أن يصبح الإنسان أقل قدرة على إقامة علاقة مع إنسان آخر. غير أن قوة الفكرة تكشف في الوقت نفسه حدود الدراماتورجيا. فباريير وسيفير يضعان شخصياتهما داخل وضعية مغلقة: أب وابنة، وطبيب، وجدة لا تظهر إلا عبر الصوت، في فضاء يفترض أن يكون ثابتًا. وهذا يخلق توترًا مهمًا، لكنه يطرح سؤالًا صعبًا: كيف يتولد الفعل الدرامي حين لا يتغير المكان؟
يحاول العرض الإجابة من خلال سلسلة من الصور والمواقف: العملية الجراحية، التدريب، الملابس، ظهور “الوحش”، الأسلحة، فقدان الكلام والتحولات الجسدية. غير أن بعض هذه الصور تبدو أقرب إلى أفكار مرئية منها إلى أفعال درامية. إنها تقول لنا شيئًا، لكنها لا تكتشفه معنا بالضرورة. وهنا تكمن مشكلة العرض الأساسية في رأيي: الفكرة أحيانًا أقوى من الدراماتورجيا التي تحملها.
المناخ، النفط، الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا العصبية، الرأسمالية، الأبوة، العنف، العائلة، الجسد والموت؛ كلها حاضرة، لكن كثرة المستويات لا تنتج بالضرورة عمقًا دراميًا. أحيانًا يبدو أن العرض يعرف مسبقًا ما يريد قوله، ولذلك تتحول بعض العلامات إلى شروح بصرية لأفكاره بدل أن تصبح أحداثًا تفتح المعنى أمام المتفرج. وهذا ما يجعل بعض المشاهد تبدو متجاورة أكثر مما تبدو مترابطة. فالمسرح لا يصبح قويًا لمجرد أن الصورة واضحة أو أن الفكرة ذكية؛ قوته تبدأ حين تتحول الفكرة إلى فعل، وحين يصبح المعنى نتيجة لما يحدث على الخشبة، لا تفسيرًا جاهزًا له. ولعل أفضل مثال على ذلك مشهد مائدة الطعام، حين ينزل من أعلى الخشبة أخطبوط ضخم يفصل بين الأب وابنته. يجد بول نفسه مضطرًا إلى الكلام من طرف واحد. يتكلم، يغضب، يناقض نفسه ويحاول استعادة العلاقة. هنا يحدث شيء مختلف: الصورة لا تشرح الفكرة، بل تصنعها. فكل كلمة يقولها الأب تكشف عجزه أكثر، وكل لحظة صمت من آمي تزيد التوتر. فجأة يصبح الصمت قوة درامية، لا مجرد مفهوم. وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح العرض أكثر إقناعًا؛ لأن الممثل والجسد والفضاء ينتجون المعنى بدل أن تقوم الفكرة بإنتاجهم.
ويبني تشارلز-هنري وولف شخصية بول من خلال سرعة الحركة والانفعال. إنه رجل لا يعرف التوقف، وكأن السرعة التي تمنحها له التكنولوجيا انتقلت إلى جسده نفسه. لكن هذه السرعة تتحول تدريجيًا من علامة على القوة إلى علامة على الانهيار، فيصبح الجسد كاشفًا عن القلق وفقدان السيطرة. أما جانيس بيليو فتؤدي آمي من خلال الجسد أكثر من الكلام. وهنا لا يصبح الصمت غيابًا للأداء، بل شرطًا له. فالشخصية التي لا تتكلم تفرض حضورها بالحركة، وتحوّل الجسد إلى مساحة للمقاومة.

وتجد هذه العلاقة بين الجسد والمكان امتدادها في سينوغرافيا ناديا لورو. فضاء واسع ومجرّد، مخارج طوارئ وعناصر قليلة تتحرك بصورة شبه غير محسوسة. لا يبدو المكان مكتظًا بعلامات الثراء، رغم أن صاحبه ملياردير؛ وهذه المفارقة مهمة. فبول لا يحتاج إلى أن يستعرض ثروته داخل الملجأ، لأن امتلاكه للمكان هو في حد ذاته علامة على ثروته. لذلك يبدو الملجأ واسعًا وفارغًا في الوقت نفسه. إنه مكان للحماية، لكنه يبدو كقفص. وكلما اتسعت المساحة من حول بول، ازدادت وحدته وضاقت إمكانات التواصل.
هنا تنجح السينوغرافيا في شيء لا تنجح فيه بعض الصور الأخرى: إنها لا تشرح العزلة، بل تجعلنا نشعر بها. ومع ذلك، لا تخلو بعض العلامات من مباشرة زائدة. فعندما تصبح الصورة قابلة للفك منذ لحظة ظهورها، يتراجع دور المتفرج. والمسرح، في النهاية، لا يحتاج فقط إلى صور قوية؛ يحتاج أيضًا إلى مساحة يشارك فيها المتلقي في إنتاج المعنى. من هذه الزاوية، يصبح “الملجأ” أكثر من مكان. إنه حالة ذهنية وحضارية. بول يحتمي من العالم، لكنه يختبئ أيضًا من مواجهة ذاته. أما آمي فتتجه في الاتجاه الآخر: تتخلى عن الكلام وتعود إلى الجسد. ولهذا فإن الصراع الحقيقي في العرض ليس بين الإنسان والآلة بقدر ما هو بين تصورين للإنسان. تصور يريد تجاوز حدود الجسد إلى أقصى مدى، والاستمرار في العمل والإنتاج حتى أمام نهاية العالم. وتصور آخر يكتشف أن الاعتراف بالهشاشة قد يكون شرطًا للعلاقة مع الآخر. لكن العرض لا يحسم هذا الصراع، وربما لا يريد حسمه. قوته الحقيقية أنه يضعه أمامنا؛ وحدّه أنه لا يمنحه دائمًا البنية الدرامية التي تجعله يتطور بالقدر نفسه من القوة.
لهذا أجد أن قيمة “الملجأ” وحدوده تلتقيان في النقطة نفسها: إنه عرض يملك مشروعًا فكريًا وبصريًا واضحًا، لكنه لا يحول هذا المشروع دائمًا إلى فعل درامي بالدرجة نفسها من القوة.
ومع ذلك، فإن المسرح لا يحتاج دائمًا إلى إنقاذ العالم. وربما لا يريد “الملجأ” أن يقدم لنا حلًا أصلًا. إنه يضع رجلًا حاول أن ينجو من الكارثة، فإذا به يجد نفسه محاصرًا داخلها بطريقة أخرى. فالخطر ليس فقط في العالم الذي ارتفعت حرارته، ولا في التكنولوجيا التي أصبحت جزءًا من الجسد، وإنما في الإنسان الذي فقد القدرة على الإصغاء. وعند هذه النقطة يصبح الملجأ صورة أكثر اتساعًا: مكانًا نحتمي فيه من العالم، ونفقد فيه، في الوقت نفسه، إمكانية الوصول إلى الآخر.
في النهاية، لا تبقى في الذاكرة كل الأفكار التي يحملها العرض، ولا كل علاماته البصرية، بقدر ما تبقى صورته الأب الذي يتكلم والابنة التي تصمت. بين الاثنين تتشكل المسافة التي يحاول المسرح أن يملأها، لكنه لا ينجح دائمًا في ذلك. وربما هنا تحديدًا يكمن السؤال الذي يتركه “الملجأ” وراءه:
هل الصمت بداية لغة جديدة، أم العلامة الأخيرة على انهيار اللغة؟




