اخبار المسرحنقد مسرحي

الشخصية الشكسبيرية بين الهدم والبناء.. تفكيك المركز واستعادة صوت الهامش

دراسة نقدية للدكتور إياد طارش ساجت تعيد قراءة شخصيات شكسبير من منظور تفكيكي وتمنح الهامش دوراً في صناعة الدلالة المسرحية

الشخصية الشكسبيرية بين الهدم والبناء.. تفكيك المركز واستعادة صوت الهامش

يقدّم الباحث الدكتور إياد طارش ساجت في كتابه الجديد «الهدم والبناء في أداء الشخصية الشكسبيرية» مقاربة نقدية للشخصية المسرحية عند وليم شكسبير، تنطلق من منظور تفكيكي يسعى إلى تجاوز القراءة التقليدية التي تتعامل مع الشخصية بوصفها عنصراً ثابتاً داخل البناء الدرامي، ليفتح النص على إمكانات متعددة لإعادة إنتاج المعنى من خلال الأداء والتأويل.

ويتعامل الكتاب مع الشخصية الشكسبيرية باعتبارها كياناً متحركاً لا تستنفد دلالاته في حدود ما يقدمه النص المكتوب، إذ تنتقل الشخصية، وفق هذه المقاربة، من فضاء النص إلى فضاء العرض، حيث تتداخل عناصر الأداء الجسدي والصوتي، ورؤية المخرج، وأدوات الممثل، واستجابة المتلقي، لتشكيل دلالات جديدة قد تتجاوز ما يبدو مستقراً في النص الأصلي.

ويرتكز الإصدار على ثنائية الهدم والبناء باعتبارها مدخلاً منهجياً لإعادة النظر في بنية الشخصية الشكسبيرية. فالهدم هنا لا يعني إلغاء الشخصية أو تفكيك حضورها فحسب، وإنما الكشف عن مراكز القوة والهيمنة التي تحكم تشكيلها، وإعادة مساءلة البنى التي جعلت بعض الشخصيات في مركز الدلالة، فيما دفعت شخصيات أخرى إلى الهامش.

ومن هذا المنطلق، يشتغل الكتاب على إعادة بناء الهامش ومنحه حضوراً داخل العملية الأدائية، بما يفتح المجال أمام أصوات وشخصيات ومساحات دلالية يمكن أن تبدو ثانوية في القراءة الأولى، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يعاد النظر إليها من خلال العرض المسرحي وآليات الأداء.

 

هذا الكتاب يأتي ضمن الجهود النقدية التي تسعى إلى مقاربة المسرح من زاوية تجمع بين الأدب والأداء

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من طبيعة النص الشكسبيري نفسه، الذي ظل، على امتداد قرون، مادة مفتوحة أمام القراءات المتجددة وإعادة التأويل. فالشخصيات التي ابتكرها شكسبير لم تعد ملكاً للنص وحده، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة المسرح العالمي، تتغير ملامحها ودلالاتها كلما انتقلت إلى زمن جديد أو فضاء ثقافي مختلف أو رؤية إخراجية مغايرة.

كما يضع الكتاب العلاقة بين النص والعرض في قلب أسئلته النقدية، فلا يتعامل مع العرض بوصفه مجرد تنفيذ للنص، وإنما باعتباره فعلاً إبداعياً مستقلاً يشارك في إنتاج الدلالة. ومن هنا يصبح الممثل طرفاً أساسياً في عملية إعادة تشكيل الشخصية، بما يمتلكه من أدوات جسدية وصوتية وتعبيرية، وما يضيفه إلى الشخصية من قراءات وانفعالات وخبرات.

وفي هذا السياق، تتسع دائرة الاشتغال لتشمل العلاقة بين المؤلف والممثل والمتلقي، إذ لا يعود المعنى حكراً على إرادة المؤلف أو على البنية المكتوبة، بل يصبح نتاجاً لتفاعل أطراف متعددة داخل العملية المسرحية. ويمنح هذا التصور المتلقي بدوره دوراً فاعلاً، باعتباره شريكاً في إنتاج الدلالة وليس مجرد مستهلك للعرض.

ويبدو مفهوم الهامش في الكتاب بوصفه أحد المفاتيح المهمة لإعادة قراءة الشخصية الشكسبيرية، إذ يتيح تفكيك المركز المهيمن وإعادة توزيع الانتباه داخل العرض. وبهذا المعنى، لا تقتصر قيمة المقاربة على تحليل شخصيات شكسبير، وإنما تمتد إلى مساءلة آليات بناء الشخصية المسرحية نفسها، وكيفية انتقالها من الورق إلى الخشبة، ومن التصور الأدبي إلى التجسيد الأدائي.

ويضع «الهدم والبناء في أداء الشخصية الشكسبيرية» بذلك النص الشكسبيري في مواجهة أسئلة المسرح المعاصر، حيث لم يعد التعامل مع التراث المسرحي قائماً على إعادة إنتاجه كما هو، وإنما على إعادة قراءته وتفكيكه وإعادة تركيبه بما يسمح باكتشاف دلالات جديدة. فكل أداء جديد يمكن أن يكون مناسبة لاختبار إمكانات أخرى للنص، وكل ممثل قادر على أن يمنح الشخصية حياة مختلفة، وكل متلقٍ يمكن أن يفتح لها أفقاً جديداً من التأويل.

ويأتي هذا الكتاب ضمن الجهود النقدية التي تسعى إلى مقاربة المسرح من زاوية تجمع بين الأدب والأداء، وتتعامل مع الشخصية باعتبارها بنية قابلة للتحول وإعادة التشكيل، بما يجعل من تجربة شكسبير مساحة خصبة للبحث في علاقة النص بالخشبة، وفي قدرة المسرح على إعادة إنتاج المعنى باستمرار.

وصدر كتاب «الهدم والبناء في أداء الشخصية الشكسبيرية» مؤخراً عن دار الشؤون الثقافية العامة التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، ليضيف إلى المكتبة النقدية العراقية والعربية دراسة تفتح النص الشكسبيري على أسئلة التفكيك والأداء، وتدعو إلى النظر في الشخصيات المسرحية من خارج مراكزها التقليدية، وإلى منح الهوامش مساحة أكبر للحضور والتعبير وصناعة الدلالة.

المصدر : العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!