القاهرة الدولي للمسرح التجريبيالمسرح العربي

ندوة «الجيو-مسرحي» تناقش الجغرافيا والجسد والمتفرج بوصفها مساحات للمقاومة والعدالة الاجتماعية

القاهرة – باك ستيج 30 : متابعات

ندوة «الجيو-مسرحي» تناقش الجغرافيا والجسد والمتفرج بوصفها مساحات للمقاومة والعدالة الاجتماعية

وفوندا إلهونغو: بيئة «دلتا النيجر» ليست خلفية للعرض بل مؤدٍّ فاعل في صناعة المعنى

نورا أمين: التجريب الأدائي يعيد تعريف المتفرج ويجعل المسرح مساحة للعدالة الاجتماعية

ويلي براجر: الجسد في الفنون الأدائية «عملة» تحمل قيماً ثقافية وسياسية واقتصادية

ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ناقشت ندوة «الجيو-مسرحي بين العدالة الاجتماعية وجماليات الأداء» تحولات العلاقة بين الجغرافيا والجسد والمتفرج، ودورها في إنتاج أشكال جديدة من الأداء المسرحي، وذلك من خلال ثلاث أوراق بحثية قدمت تجارب ورؤى متنوعة من نيجيريا وألمانيا وبلغاريا.

أدارت الندوة الدكتورة أسماء يحيى الطاهر، بمشاركة الدكتورة نورا أمين، والباحث ويلي براجر من بلغاريا، والدكتور وفوندا إلهونغو من نيجيريا، مؤكدة في مستهل الجلسة أن الأوراق الثلاث تجمع بين اختلاف التجارب الثقافية وتنوع الرؤى البحثية، بما يفتح المجال أمام تلاقح فكري وفني ملهم.

وفوندا إلهونغو: بيئة «دلتا النيجر» ليست خلفية للعرض بل مؤدٍّ فاعل في صناعة المعنى

قدم الدكتور وفوندا إلهونغو من نيجيريا ورقة بعنوان «العنف النفطي: جماليات الأداء وإعادة تخيل دلتا النيجر في المسرح التجريبي والأفلام»، تناول خلالها الآثار البيئية والسياسية والاجتماعية لاستخراج النفط في منطقة دلتا النيجر، وكيف تحولت هذه الحقائق القاسية إلى مادة للأداء الفني.

وأوضح أن «العنف النفطي» لا يقتصر على الصراعات المسلحة، بل يشمل التلوث الناتج عن التسربات النفطية، وتدمير مصادر الصيد والزراعة، وعسكرة المجتمعات والصراعات المرتبطة بالموارد. كما أشار إلى مفهوم «العنف البطيء»، المتمثل في التدهور البيئي التدريجي الذي يؤثر في حياة السكان وصحتهم وعلاقتهم بأرضهم عبر الزمن.

وأكد إلهونغو أن مهمة الفنان لا تقتصر على توثيق المعاناة، بل تتمثل في تحويلها إلى صور وحكايات وحركة وصوت وتجارب جمالية قادرة على كشف أبعاد الواقع. وطرح سؤالاً محورياً حول ما تفعله جغرافيا دلتا النيجر داخل الأداء نفسه، وكيف تتحول البيئة إلى عنصر مشارك في صناعة السرد.

واستند الباحث إلى مفهوم «الجماليات الجغرافية»، الذي ينظر إلى المكان بوصفه «مؤدياً مشاركاً»، حيث تؤثر الممرات المائية والمناظر الطبيعية والفضاءات العسكرية في حركة الشخصيات وتكوين الصراع وإنتاج المعنى.

وطبق إلهونغو دراسته على فيلمي «الخور» و«دم ونفط»، إلى جانب تجربة مسرحية تجريبية، من خلال خمسة محاور تشمل الدراماتورجيا البيئية، والوكالة المكانية والمادية، والأداء الجسدي، والسينوغرافيا، وعلاقة هذه العناصر بالمتفرج. وخلص إلى أن جغرافيا دلتا النيجر لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ديكور، بل بوصفها قوة فاعلة تشكل الجسد والسرد والصورة المسرحية.

نورا أمين: التجريب الأدائي يعيد تعريف المتفرج ويجعل المسرح مساحة للعدالة الاجتماعية

من جانبها، قدمت الدكتورة نورا أمين ورقة مستندة إلى بحث ميداني ودراسات حالة تجريها منذ عام 2016 حول التجريب في الفنون الأدائية في مدينة برلين، مع التركيز على مفهوم المتفرج والمشاهدة في مدينة تتسم بالتنوع الثقافي والهجرة والشتات.

وأوضحت أن برلين تضم عدداً كبيراً من الفنانين المنتمين إلى خلفيات مهاجرة ومتعددة الثقافات، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المشهد الأدائي وعلى طبيعة جمهوره. وأشارت إلى أن هذا التنوع أسهم في ظهور موجة من التجريب تتجاوز الأشكال المسرحية المستقرة والتقليدية.

وأكدت أمين أن مفهوم «المشاهدة المتجانسة» بدأ في التلاشي، ليحل محله متفرج متعدد الانتماءات والخلفيات والثقافات، مشيرة إلى أن حضور فنانين ينتمون إلى ثقافات الجنوب العالمي أسهم في إعادة تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور، وفي تطوير أشكال طقسية وتفاعلية وتشاركية للأداء.

واستندت في بحثها إلى ثلاث تجارب لفنانين وفرق ذات أصول ثقافية متنوعة، مؤكدة أن هذه التجارب تجمع بين ثقافات أداء مختلفة والنشاط السياسي المناهض للعنصرية والاستعمار والساعي إلى العدالة الاجتماعية.

وأضافت أن هذه الممارسات تعيد الاعتبار للتجارب والسير الذاتية، وتكسر التحيزات التي تنظر إلى المواد الشخصية باعتبارها أقل احترافية، لتفتح بدلاً من ذلك مساحات جديدة لإنتاج المعرفة والتواصل الإنساني.

ورأت أن المسرح يمكن أن يتحول إلى مساحة متكافئة يصبح فيها الفنان والجمهور شركاء، مشددة على أن التجريب الأدائي يمثل فعلاً سياسياً وفنياً في آن واحد، لأنه لا يكتفي بانتقاد التمييز والهرمية، بل يتيح ممارسة بديلة للعلاقات الإنسانية، ويجعل من «التواجد معاً» تدريباً حقيقياً على إمكانية تغيير الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويلي براجر: الجسد في الفنون الأدائية «عملة» تحمل قيماً ثقافية وسياسية واقتصادية

أما الباحث ويلي براجر من بلغاريا، فتناول في ورقته مفهوم «الجسد كعملة» في الفنون الأدائية والرقص المعاصر، موضحاً أن الجسد في العالم المعاصر لم يعد مجرد أداة فنية، بل أصبح حاملاً لقيم اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية.

وأشار إلى أن الجسد في سوق الفنون الأدائية ينتقل بين المهرجانات والعقود والإقامات الفنية والإنتاجات المشتركة، ويمكن أن تصبح الهوية الثقافية والجغرافية والجماليات المرتبطة به جزءاً من عملية إنتاج القيمة الفنية.

وركز براجر على تجربة شرق وجنوب شرق أوروبا، ولا سيما بلغاريا، في مرحلة ما بعد عام 1989 وسقوط جدار برلين، الذي أحدث تحولاً سياسياً وثقافياً أنهى احتكار الدولة للمؤسسات الفنية، وأتاح ظهور المبادرات المستقلة والمنظمات غير الحكومية والمهرجانات والمنصات الجديدة.

وأوضح أن الفنون الأدائية قبل هذا التحول كانت خاضعة لسيطرة الدولة وللسرديات الأيديولوجية، بينما شهدت المرحلة اللاحقة توسعاً في استقلال الفنانين وانفتاحاً على الشبكات الدولية والإنتاجات المشتركة.

وأكد أن هذا التحول أتاح للجسد والفنون المعاصرة مساحة أكبر للتجريب والحركة والتبادل، مشيراً إلى أهمية المهرجانات والإقامات الفنية والشراكات الدولية في ضمان استدامة الفنانين والعروض وتوسيع آفاق الحوار الثقافي.

واختتمت الندوة بتأكيد أهمية النظر إلى الجغرافيا والجسد والمتفرج باعتبارها عناصر فاعلة في العملية الأدائية، لا مجرد مكونات ثابتة، بما يفتح المسرح على إمكانات جديدة للتجريب والمقاومة وإنتاج المعرفة والبحث عن العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!