
التمثيل والجغرافيا..(2) كيف للممثل أن يغادر نفسه؟
قلنا في مقال سابق إن علاقة المسرح بالجغرافيا لا تقتصر فقط على المكان الذي تُقام فيه العروض، أو المدن التي أنتجت أشكالًا مسرحية مختلفة، وإن ثمة جغرافيا أخرى أكثر خفاءً تسكن جسد الممثل نفسه.
فالممثل لا يصعد إلى الخشبة عاريًا من المكان الذي جاء منه. إنه يحمل معه، شاء أم لم يشأ، أثر المدينة التي وُلد فيها، واللغة التي سمعها طفلًا، والوجوه التي عاش بينها، وطريقة الناس في الكلام والضحك والغضب والحزن. يحمل كل ذلك في صوته، ونظرته، وحركة يديه، وطريقة وقوفه، والمسافة التي يضعها بينه وبين الآخرين.
وهذا ما سميناه بـ»جغرافيا الممثل».
فلكل مكان إيقاعه الخاص في الكلام. ثمة من يمنح الكلمات وقتًا أطول لتستقر، وثمة من يندفع بها كأنها تجري وراء شيء ما. ويختلف استخدام الصوت، كما تختلف دلالة الصمت. فما يبدو طبيعيًا في بيئة ما قد يبدو مبالغًا فيه في بيئة أخرى.
ولا يعني ذلك أن الجغرافيا تصنع الممثل وحدها، لكنها تضع طبقتها الأولى فوق جسده. ثم تأتي التربية والتعليم والتجربة لتضيف طبقات جديدة. فالممثل الذي يولد في مدينة ويتعلم في أخرى يحمل، في النهاية، أكثر من جغرافيا. لكن هذه الطبقات الجديدة لا تمحو تمامًا آثار المكان الأول.
من هنا كنت وما زلت أقول دائمًا لتلاميذي: «إذا أردت أن تكون ممثلًا جيدًا، فعليك أولًا أن تعرف نفسك».
فالممثل يريد أن يكون شخصًا آخر، لكن كيف يستطيع أن يفعل ذلك إذا كان لا يعرف الشخص الذي هو عليه؟
كيف تتجنب ما لا تعرفه؟
أنت تريد أن تصبح شخصًا آخر. أن تمشي مثله، وأن تنظر مثله، وأن تغضب وتضحك بطريقته. لكنك لا تبدأ من فراغ. أنت تدخل إلى كل شخصية محملًا بعاداتك الخاصة. وقد تظن أنك تؤدي عشر شخصيات مختلفة، بينما تظل أنت نفسك، من حيث لا تدري، حاضرًا في كل واحدة منها.
لذلك كانت معرفة الذات، في رأيي، أول خطوة في تدريب الممثل.
ومن التدريبات التي كنت وما زلت أستخدمها أن يطلب الممثل من شخص آخر أن يقلده. أن يراقب هذا الشخص كيف يقف هو، وكيف ينظر، وكيف يحرك يديه، وكيف تتغير ملامحه حين يغضب أو يضحك.
إنها تجربة كاشفة.
فالممثل معتاد على تقليد الآخرين، لكنه في هذه المرة يصبح هو نفسه موضوعًا للتمثيل. يرى ذاته من الخارج، ويكتشف عادات جسده التي كان يمارسها من دون وعي. فالمرآة تعطينا صورتنا، لكنها لا تكشف لنا دائمًا سلوكنا. أما حين يقلدك شخص آخر، فإنك تصبح متفرجًا على نفسك.
وهنا يبدأ الاكتشاف.
أن تعرف ما الذي تفعله لأنك أنت، ومن ثم تتجنبه حين تكون شخصية أخرى.
أن تعرف كيف تقف قبل أن تغير طريقة وقوفك، وكيف تنظر قبل أن تصنع نظرة أخرى.
وهو ما يعيدنا إلى الجغرافيا الأوسع التي يجب على الممثل أن يبذل جهدًا في اكتشاف تضاريسها؛ تضاريس شكّلها تاريخ طويل من العادات والإيقاعات التي تسربت إلى الجسد من دون أن نشعر.
ومن هنا تصبح معرفة الممثل لنفسه وللبيئة المحيطة به محاولة لاكتشاف جغرافيا جسده.
فالتمثيل لا يبدأ بمحاولة أن تكون شخصًا آخر، بل يبدأ باكتشاف الشخص الذي تريد أن تخرج منه.
وهذا هو، في تقديري، أحد أهم أسرار الممثل الجيد، أن يعرف نفسه أولًا، ويعرف عاداته، ويكتشف ما تركه المكان فيه، كي يصبح قادرًا على الاختيار: ما الذي يحتفظ به، وما الذي يغيره، وما الذي يمنحه للشخصية.
ربما لذلك تجد كثيرًا من الممثلين، وبعضهم نجوم لأسباب ليس من بينها أنهم ممثلون جيدون، تطغى ملامحهم الخاصة على كل شخصية يؤدونها. فهو يمشي على المسرح أو أمام الكاميرا كما يمشي في الحياة، وينظر النظرة نفسها، ويغضب الغضب نفسه، ويتكئ منتظرًا اتكاءه في الحياة… إلخ.
وذلك لأنهم، ببساطة، لم يعرفوا أنهم يفعلون ذلك في الحياة. لم يبذلوا جهدًا في معرفة أنفسهم. إنهم يفعلون ذلك بتلقائية لا يعونها.
مرة أخرى، إذا أردت أن تكون ممثلًا جيدًا، فابدأ أولًا بالتعرف إلى نفسك. اعرف كيف تنظر، وكيف تسير، وكيف تتحرك يداك أثناء الكلام. تعرف إلى جغرافيتك لتتمكن من مغادرتها إلى مكان آخر.
هذا، والله أعلم.
المصدر / مسرحنا



