“الهاربات”.. حين يتحوّل الانتظار إلى قدرٍ مسرحي وأسئلة عن الوطن والإنسان / بشرى بن فاطمة
وفاء الطبوبي تشيّد على الخشبة فضاءً فلسفيًا يعيد تعريف الهروب ويحوّل الانتظار إلى فعلٍ للمقاومة والبحث عن المعنى
“الهاربات”.. حين يتحوّل الانتظار إلى قدرٍ مسرحي وأسئلة عن الوطن والإنسان
لم يكن الدخول إلى قاعة الماجستيك ببنزرت (شمال تونس)، ضمن فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان البيكولو للمسرح المعاصر الذي انتظم من الثاني والعشرين الى السادس والعشرين من شهر يوليو بمدينة بنزرت، مجرد عبور نحو مقعد في الظلام، لأنه كان بمثابة طقس للانتقال من يقين الخارج إلى ارتياب الخشبة، هناك، عند العتبة الفاصلة بين ضجيج المدينة في مرحلة ظلام خارجي وكر وفرّ بين حرارة الطقس وانعدام الكهرباء وهمهمات المغامرة التي يعايشها التونسي في صيف مختلف التفاصيل تزيد من قلقه وهمومه، يصمت المسرح، وتنعكس الخشبة على المتلقي.
شعرت أنني لم أدخل قاعة عرض بل آخذ دوري في محطة الانتظار تلك، وأدخل منطقة معلقة في اللازمني، حيث يتخلى الواقع عن صلابته ليصبح سؤالًا، وتتخفف الأشياء من أسمائها لتصير إشارات تبحث عمّن يؤوّلها.
انطفأت الأنوار، ولم يبدأ العرض، بدأت الحواس تعيد ترتيب علاقتها بالعالم هكذا كانت أجواء اقتحام عالم وفاء الطبوبي في النص والسينوغرافيا والإخراج في مسرحية “الهاربات”، المسرحية التي أنتجها المسرح الوطني التونسي، وجمعت، فاطمة بن سعيدان، منيرة الزكراوي، لبنى نعمان، أميمة البحري صابرين عمر ومحمد بوزيد.
استحالة النجاة بين الانتظار والهرب
منذ عروضها الأولى وتتويجها في أيام قرطاج المسرحية وجوائز متعددة داخل وخارج تونس تجنبت البحث عنها وتعمّدت ألا أقرأ عنها قبل العروض وبعدها كخبر أو كرؤية نقدية، ربما لأتعثّر وحدي فيها وأكتشفها بين كل مفصل وتفصيل بين كل موقف وسؤال بين كل ممثل وممثل، كيف رأيته قبل العرض وبعده، في حلم اليقين وفي خيال الواقع في صرخات مكتومة ومفزعة ومنفلتة من رحم الضجر لوعةً أو مللاً، وطن في حالة عبور نحو اللاعبور لأراني المنتظر والانتظار.
كانت اللقطة الأولى أشبه بفعل كشفٍ لا يفضي إلى الحقيقة، بل يضاعف غموضها، أطرٌ تتوالد من أطر، وحجب ترتفع لتكشف حجبا أخرى، كأن المسرح يعلن منذ اللحظة الأولى أن الإنسان لا يعبر نحو اليقين، بل يتنقل بين صفحاته، أيامه، لحظاته، في زوايا متراكبة من الالتباس، كل لثام يُزاح عن وجه الممثل لا يكشفه بل يكشف قلقه، أسئلة لا تمنح جواب “موعد وصول حافلة”، ما يفتح بابا جديدا للسؤال، وكل إطار يرسم حدود الرؤية، يفضح في الآن ذاته اتساع ما يظل خارجها.
في ذلك الفضاء، الذي يشبه محطة انتظار بلا خرائط بلا إعلان مكاني عن الانطلاق والوجهة، كانت وسيلة النقل مجرد استعارة للحركة المؤجلة، ولرحلات لا تبلغ نهاياتها، تقود إلى اللاطريق، وإلى المسار الذي يلتهم المنتظر قبل أن يصل، في ظل حوار يتوارى بين حديث الذات والآخر حوّلت “الهاربات” الانتظار من زمن سائل ضائع، إلى قدر وجودي، حيث تحولت المحطة إلى صورة مكثفة عن الإنسان المعاصر، الواقف على حافة الوصول، دون أن يمنحه العالم الواقع المحيط وعدا بأنه قد وصل.
تتقاطع الشخصيات كما تتقاطع المصائر في محطات الحياة، غرباء يتعارفون لأنهم يشتركون في الهشاشة ذاتها، وفي الخوف ذاته، وفي ذلك المجهول الذي يكتب يومياتهم بصمت، في تونس، في واقعها ومخاوفها في حالات الضياع والصمت والواقع القاهر لإنسانيات تتقهقر في حيرتها الوجودية، عامل بمصنع شخصية ذكورية وحيدة تتماهى مع الشخصيات النسائية في تجاذبات الجدل الأساسي لوجود المرأة في تونس تلك العاملة الكادحة الكثيفة في حضورها المنطلقة في مجهولها وانتظارها، عاملة بمصنع خياطة، عاملة نظافة تجمع قوارير البلاستيك في الشارع، خادمة، أستاذة تعليم ثانوي غير مرسمة وحقوقية.
يسرد كل منهم حكايته، لكن الحكايات لا تبدو منفصلة، بل كأنها شظايا لسيرة إنسانية واحدة، تتنقل بين الفقد والرجاء، بين الرغبة في الهرب والعجز عن مغادرة الذات، صورة مصغّرة للتناحرات والتجاذبات والاختلافات والقطيعة والعناد، الكل يعرف والكل جاهل، الكل طيب والكل يحمل وزر نواياه المعلنة وغير المعلنة، لتتحول الخشبة إلى مساحة اعتراف وصراخ وصراع وضحك وأيضا حلم وكوابيس، لا تبحث الشخصيات عن البطولة، بل تنصت إلى الكسور الخفية التي يحملها البشر في دواخلهم من أوطانهم.
من هذا المدخل البصري والفلسفي الغارق في حميمية انتمائه لبيئته، تؤسس وفاء الطبوبي في “الهاربات” خطابًا مسرحيًا لا ينشغل بسرد الوقائع ولا يتكلف رؤى غير مفهومة أو مفاهيم مشفرة تحتاج نخبة، بقدر ما تشتغل على هندسة الانتظار بمنظوره اليومي الذي نعايشه ونحاول التعايش معه، تفكيك العلاقة بين الحركة والسكون، وبين الأمل والعدم.
العرض لا يدفع شخصياته إلى الأمام، بل يدفع المتفرج إلى الداخل، إلى أسئلته المؤجلة، وإلى تلك المحطات التي مرّ بها في حياته دون أن ينتبه أنه كان، هو الآخر، أحد الهاربين من يقين إلى يقين أكثر هشاشة، إلى وطن يحاول اللحاق أيضا بالهاربين.
الجسد وسقوط اليقين
مسرحية الهاربات قدمت رؤية جمالية وفلسفية جعلت من الانتظار البنية العميقة التي ينتظم حولها الفعل المسرحي، فالانتظار ليس مجرد زمن معلق بين بداية ونهاية، بل حالة وجودية تكشف هشاشة الإنسان وهو يلاحق معنى يتوارى باستمرار يتلاشى ويختفي، مسار غير واضح، طريق مجهول.
في تصور وفاء الطبوبي، لا تهرب الشخصيات من مكان محدد بقدر ما تهرب من واقع فقد يقينه، ومن حياة أرهقتها السلطة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، لتصبح الرحلة بحثا عن مجهول أو في مجهول قد لا يُدرك، لكنه يظل المحرك الأساسي للرغبة في الاستمرار.
إن النساء اللواتي يشكلن نسيج العرض باختلاف انتمائهن ومستوياتهن لا يمثلن ذواتهن فقط، وإنما يتحولن إلى استعارة لمجتمع تونسي يعيش على إيقاع الانتظار، يدخلن في محاورة مع الرجل الوحيد في رحلة البحث التي تتشارك فيها الرؤى وفق منظور المرأة وتشكلات الذكورة كصوت واحد في المجتمع، مجتمع بكل أطيافه يعايش الانتظار، انتظار العدالة، وانتظار الإنصاف، وانتظار مستقبل لم تتحدد ملامحه بعد، وكأن الوطن نفسه يقف في منتصف الطريق بين ما كان وما ينبغي أن يكون.
ولا يقدم هذا الانتظار بوصفه حالة من السكون، بل باعتباره حركة داخلية لا تتوقف، أجاد الممثلون نقل توتراتها للمتلقي بل وتصعيد مشاعره وقلقه وحيرته وهمومه، إذ تتحرك الشخصيات في فضاء محدود، لكنها تخوض في العمق رحلة وجودية مفتوحة على احتمالات لا نهائية، ليكتسب المجهول قيمته الفلسفية، لأنه ليس غيابا للمعرفة، بل أفقًا للحرية، فكل محاولة للعبور نحوه هي مقاومة للانغلاق ولليقين الزائف.
ولهذا لا يصبح الهروب فعلًا سلبيًا، وإنما ممارسة رمزية لتحرير الذات من الحدود التي يفرضها الواقع فالمتلقي يتنفس الصعداء بعد كل صرخة وبعد كل اندماج مقطع في موسيقى تتصاعد وتتكاثف بين الحركة والتفاعل، وهذا الاندماج مع الحركة حوّل الرؤية والخشبة إلى مساحة للبحث أكثر منها مساحة للوصول، فأصبح السؤال أكثر أهمية من الجواب، والطريق أكثر دلالة من النهاية.
أحالتنا هذه الرؤية للحظة مع التصورات الوجودية التي ترى أن الإنسان محكوم بصناعة معناه داخل عالم لا يمنحه حقائق جاهزة، وهي روح مسرح العبث، بتفاصيل معاصرة أخذت من تجربة صموئيل بيكيت في “في انتظار غودو”، وحولت الانتظار إلى صورة مكثفة للوجود الإنساني وهو يترقب حدثًا قد لا يأتي أبدا، منفذا بعيدا، طريقا يفتح النور نحو الوصول.
قد تلتقي أيضا مسرحية “الهاربات” مع رؤى الفن التعبيري لا من حيث تمثيل الألم، وإنما تحريره من الوصف المباشر، فكما كان رامبو يسعى إلى “اختلال الحواس” كي يرى العالم في صورته الأخرى، لا تعرض الهاربات واقعًا يُرى، بل واقعًا يُرتجف منه حتى تكون رغبة تغييره حقيقية وحرّة وكما أراد آرتو أن يصير المسرح صدمةً توقظ الجسد من ألفة المعنى، فإن الصورة المسرحية هنا لا تطلب من المتلقي أن يفهم، بل أن يعبر معها، أن يهرب، العبور هو الكلمة المستترة في كل مشهد، عبور من صورة مألوفة إلى صورة تتشقق، ومن زمن يُقاس بالساعات إلى زمن يُقاس بدرجة الانتظار، ومن واقع يفرض نفسه إلى واقع يُعاد تخيّله.
لهذا لا يمكن قراءة السواد الذي يملأ فضاء المسرحية كمنطقة يأس أو توتر، إنه أشبه بتلك الطبقة الأولى في اللوحة التعبيرية، تلك التي لا تُخفِي الألوان، بل تمنحها عمقها، فكل جسد يقف على الخشبة هو لطخة لون تؤجل اكتمالها، وكل صمت هو مساحة بيضاء لم تُحسم بعد، وكل محاولة للهروب ليست مغادرةً للعالم، بل سؤال مفهوم، كم يحتاج الضوء من عتمة كي يصبح مرئيًا؟
وفاء الطبوبي لم تجعل الانتظار مرادفًا للعبث المطلق، بل منحته بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا ارتبط بواقع تونسي مثقل بالتحولات والانكسارات، فتتحول الشخصيات معها إلى أصوات تبحث عن منافذ للنور وسط العتمة، وتقاوم بالاستمرار أكثر مما تقاوم بالفعل المباشر.
المصدر العرب




