اخبار المسرح

كاتب مسرحي نشط فعاليات توطين جمعية المدينة الصغيرة بشفشاون بالمركز الثقافي الفنيدق 2025

كاتب مسرحي نشط فعاليات توطين جمعية المدينة الصغيرة بشفشاون بالمركز الثقافي الفنيدق 2025

الزبير بن بوشتى… فنان أعاد للمسرح نبضه في الأزقة الشعبية

عزيز ريان / شفشاون

ضمن حضوره في توطين جمعية مسرح المدينة الصغيرة 2025، والمستمر لحد اللحظة والمدعوم من طرف وزارة الثقافة المغربية لا يظهر الزبير بن بشتى كضيف عابر، بل كصوت يحمل تجربة، وكشاهد عصر على إمكانية بدأ الحلم من الهامش… ثم إعادة تدوير وتعريف المركز.

بساطة، هو واحد من أولئك الذين لا يكتفون بحب المسرح، بل يصرّون على أن يجعلوه ضرورياً.

ليس من باب الصدفة أن يقود الزبير بن بشتى تجربة مسرحية تنبض من قلب الأحياء، بل لأن مساره الشخصي تشكّل دائماً خارج القوالب الجاهزة. لم يدخل المسرح من بابه الكلاسيكي، بل تسلل إليه من شرفة الموسيقى، حين كان مراهقاً في الرابعة عشرة، يعزف ويغني ضمن فرقة غيوانية بدار الشباب حسنونة في طنجة. هناك، حيث كانت الإيقاعات الشعبية تلتقي بحماس البدايات، بدأت تتشكل ملامح فنان يبحث عن شيء أبعد من اللحن.

بمرور الوقت، لم تعد الموسيقى تكفي. كان يشعر أن الأغنية وحدها لا تحتمل كل الأسئلة التي تتزاحم داخله. اقترح أن تتحول التجربة إلى عرض مسرحي، أن تصير الأغاني جسداً يتحرك وصوتاً يتجسد فوق الخشبة، لكن الفكرة بدت غريبة لرفاقه. وحده، كان يرى ما لم يروه بعد.

ذلك الرفض لم يكن عائقاً، بل كان بوابة. اقترب أكثر من الفرق المسرحية، من الكواليس، من النصوص. صار قارئاً شرهاً، يلتهم كل ما يقع بين يديه من كتابات حول المسرح المغربي والعربي والعالمي. لم تكن القراءة عنده ترفاً، بل كانت تمريناً يومياً على اكتشاف ذاته. وكلما قرأ، كتب. كتب بدافع الشغف، لا بدافع المشروع. ظن في البداية أنه يسلك طريق النقد، لكنه كان، في العمق، يكتب ليخلق عالماً موازياً، لا ليعلّق عليه فقط.

هكذا، تشكل وعيه المسرحي: من الاحتكاك، من التتبع، من مسرح الهواة الذي منحه ما لا تمنحه المؤسسات أحياناً – حرية التجريب، وجرأة الخطأ. ومع هذا التراكم، لم يعد المسرح بالنسبة إليه مجرد فن، بل صار موقفاً. موقفاً من العالم، من الإنسان، من العدالة، ومن الحياة اليومية نفسها. كان مقتنعاً أن الخشبة لا يجب أن تعكس الواقع فقط، بل أن تتدخل فيه.

هذا الهاجس هو الذي قاده لاحقاً إلى مغامرة “مسرح رياض السلطان”، تجربة لم تُبنَ على الدعم الجاهز، بل على الإصرار. في فضاء مهجور تابع لمتحف القصبة بطنجة، رأى ما لم يره الآخرون: مسرحاً ممكناً. مشروعاً يمكن أن يعيد الثقافة إلى مكانها الطبيعي، داخل الحياة اليومية للناس.

لم يكن السؤال بالنسبة إليه: كيف ننتج عرضاً؟ بل: كيف نجعل المسرح ضرورياً مثل الماء والكهرباء؟ كيف نصنع فضاءً يشعر فيه طفل الحي أن الخشبة تخصه، وأن صوته يمكن أن يُسمع؟

اشتغل على الفكرة سنوات، تعثرت، تأجلت، كادت أن تُنسى، قبل أن تعود من جديد بإرادة فردية. شيئاً فشيئاً، صار المكان ينبض: ورشات للأطفال، عروض، تجارب شبابية، تداخل بين المسرح والسيرك والرقص. لم يعد “رياض السلطان” مجرد قاعة، بل صار كائناً حياً، يتنفس بإيقاع الحي.

ورغم نجاح التجربة، لا يخفي بن بشتى أسفه لعدم امتدادها إلى مدن صغرى مثل شفشاون. بالنسبة إليه، ليست المشكلة في الفكرة، بل في غياب الجرأة الجماعية لاحتضانها. هو يؤمن أن مسرح القرب لا يُبنى بقرارات فوقية، بل بروح جمعوية تؤمن بأن الثقافة حق يومي، لا ترف موسمي.

في زمن تهيمن فيه الشاشات، لا يبدو بن بوشتى قلقاً على مصير المسرح. على العكس، يرى فيه فناً قادراً على امتصاص كل التحولات. “المسرح ليس ضد التكنولوجيا”، يقول ضمنياً عبر مساره، “بل يمكن أن يحتويها ويعيد تشكيلها”. ما لا يمكن تعويضه، في نظره، هو تلك اللحظة الحية: لقاء العيون، صمت القاعة، وانفجار التصفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى