المسرح العربيالهيئة العربية للمسرح

النهر الخالد / إسماعيل عبد الله

النهر الخالد

لا أحد يستحم في نفس ماء النهر مرتين، هكذا قيلت، وفي مواضع أُخرى جاءت كما يلي “لا يمكنك النزول إلى نفس ماء النهر مرتين” ونسبت هذه العبارة إلى هيراقليطس، وهكذا هو المسرح، كالنهر، وهكذا هو الفعل المسرحي كالنزول إلى النهر، فلا النهر ثابت في مكان، ولا النزول فعل ثابت غير متغير، وهذا هو المسرح نهر الحياة الإبداعية، يجري دون توقف، ويلعب دور النهر في المخيال الشعبي، فكما كانت شعوب تراه رمزاً للاستمرارية والديمومة، كانت شعوب أخرى تراه رمزاً للتغيير و التجديد، وفيما اعتبرته شعوب مكاناً مقدساً ومنبعاً للأرواح والحياة، اعتبرته شعوب أخرى ملجأ الأرواح الهاربة من الحياة إلى العالم الآخرز

هكذا سنجد الأنهار علامات درامية في قصائد الشعراء وفي روايات الأدباء وموسيقى وأغاني كبار المبدعين، وهكذا سكنت الأنهار خيالنا، وحملت معجزات حين حملت من ترك على صفحتها يتيما، لتودعه ملكاً، وصارت بلاد بأكملها هبة لهذا النهر أو ذاك.

أما والدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح تنطلق في القاهرة، فإنني أرى النيل يعطي من مهابته وصفاته لمهرجان المسرح العربي مزيداً من العمق، ليروي أرض المسرح العربي، ينبت خيرها، ويبني مجدها، وكما لو أن النيل العظيم يحتوي في قلبه هذا النهر المسرحي، لتمخر ماء النيل مراكب شمس جديدة، وتغني له قصائد أرواح مبدعة تصنع الحياة، وتؤمن أن المسرح نهرنا العظيم، نهرنا المقدس، نهرنا الذي يتجدد كل لحظة، والذي لا يمكن أن تنزل نفس الماء منه مرتين.

ونحن في الهيئة نؤمن بالمسرح الجديد والمتجدد، نؤمن بالمسرح نهراً متجدد المياه، تطوف على صفحته عرائس أحلام المسرحيين العرب، لكي يتسامروا على ضفافه، لكي يتطهروا في مائه، فيما هو يمضي ويتجدد بلا توقف.

في الدورة السادسة عشرة على أرض مصر هبة النيلـ نردد ما قاله الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل:

سمعتُ في شَطِّكَ الجميلِ                           ما قالت الريحُ للنخيلِ

يُسَبِّحُ الطيرُ أم يُغَنّي                                       ويشرحُ الحُبَّ للخميلِ

وأغصنٌ تلكَ أم صبايا                                  شربنَ من خمرةِ الأصيلِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى