ما يُرى وما يُخفى: دراماتورجيا السينوغرافيا في العرض المسرح

ما يُرى وما يُخفى: دراماتورجيا السينوغرافيا في العرض المسرح
محمد سيف
تُعدّ السينوغرافيا في العمل المسرحي نظامًا مركزيًا في الانتقال بالنص من مستواه التجريدي إلى تجسّده الركحي. فهي لا تكتفي بتحليل مخطط الفعل الدرامي، بل تعمل على ترجمته بصريًا وفضائيًا، انطلاقًا من لغتها الجمالية الخاصة، ومن وعيها بعلاقاتها التفاعلية مع بقية الأنظمة السيمائية في العرض. وهذا ما يجعلها شرطًا أساسًا لفاعلية الخطاب الدرامي وقدرته على التأثير في المتلقي.
وينفتح هذا الشكل من الدراماتورجيا السينوغرافية على تعددية الرؤى، مستندًا إلى مفاهيم جوهرية، من بينها توظيف الفراغ بوصفه حاملًا دلاليًا، وإظهار غير المرئي، وحجب ما يبدو بديهيًا، وخلق افتراض ذهني لدى المتفرج بوجود ما يتجاوز الباب المغلق، مع تعليق اليقين النهائي لصالح نظرة نسبية، نقدية، وحسّاسة في آن واحد، كما يوضح يانيس كوكوس في كتابه مسرح الصمت (كوكوس، 1999، ص 38–45). إن هذه النظرة تسمح بتجاور العاطفة والتفكير الوجودي على خشبة المسرح، من دون أن يُقصي أحدهما الآخر.
وتتجلى لغة السينوغرافيا، في جوهرها، في فعل الرسم: رسم الفضاء وتأثيث الخشبة، والمشاركة العضوية في بناء منظومة العرض. إنها فن الزمكان بامتياز، إذ تُفعّل المكان والزمان داخل لعبة العرض المسرحي، وتحولهما إلى عنصرين ديناميكيين في إنتاج المعنى. وهي، بهذا المعنى، فن المكان الذي «تُرى فيه الأشياء»، وفن المشاهدة والإصغاء والحضور المشترك، الذي يضمن للجمهور الإيحاء الحي والمعاش، كما يشير رولان بارت في مقالات نقدية (بارت، 1964، ص 258–262).
ورغم أن مصطلح السينوغرافيا قديم في جذوره، فإنه ظل لفترة طويلة مهمّشًا، قبل أن يعود اليوم محمّلًا بوعي نظري وجمالي جديد. وقد أدّى شيوع استخدامه في مجالات متعددة إلى التباس دلالته، مما يستدعي إعادة مساءلة مفهومه وحدوده ووظائفه داخل الممارسة المسرحية المعاصرة.
في هذا السياق، يرى ميشال بيرمان أن «فضاء السينوغرافيا هو فضاء ضمن فضاءات أخرى» (السينوغرافيا في المسرح، بيرمان، 1998، ص 12–18)، أي أنه نتاج كيفية تشكيل مجموعة من الفضاءات المتنوعة التي تتكامل لتحدد هوية العرض. وبهذا المعنى، تعمل السينوغرافيا وفق منطق القيود والحدود، إذ تفرض شروطًا، وتتيح مساحات، وتحجب أخرى، لتنتج في النهاية بنية وهيكلًا منظمًا.
ويذهب فيليب مورجانج إلى توصيف السينوغرافيا بوصفها «الهيكل العظمي الذي يُكسى باللحم والطاقة والنَفَس والصوت والخيال» (السينوغرافيا، الفضاء والدراماتورجيا، مورجانج، 2004، ص 55–63). فهي، في نظره، «منظمة مكانية» تعثر على الشكل الأكثر جذرية في الاستجابة لنوايا العرض، لتغدو دليلًا ومرجعًا أثناء العمل الإخراجي. وهذا الشكل هو «شكل مُلزِم»، لا فقط لأنه يخضع لقيود مادية وتقنية، بل لأنه مطالب، في الوقت نفسه، بالإجابة عن دراماتورجيا العرض ذاتها.
ويؤكد ألكسندر دي دردل أن السينوغرافيا ينبغي أن تكون قادرة على عرض بنية الدراماتورجيا نفسها بصريًا وفضائيًا (دراماتورجيا الفضاء الركحي، دي دردل، 2001، ص 71–76)، لا أن تظل عنصرًا تزويقيًا منفصلًا عن البنية الدلالية للعمل المسرحي.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن السينوغرافيا تمثل فعلًا دراماتورجيًا قائمًا بذاته؛ فهي تشارك في خلق انفعالات المتفرج، وتنظيم الحركة ورصدها، وصياغتها بشكل ملموس ورمزي في آن واحد. كما تسهم في تفعيل المعنى، وتغدو بمثابة «المصفاة» التي يمر عبرها العرض ليصل إلى المتلقي، محمّلًا بشحنته الحسية والفكرية.



