على هامش الندوة البحثية للدورةِ السادسةَ عشرةَ من مهرجانِ المسرحِ العربيِّ

على هامش الندوة البحثية للدورةِ السادسةَ عشرةَ من مهرجانِ المسرحِ العربيِّ
نورس عادل
هل ثمّةَ نصٌّ نقديٌّ مفتون بالاصطلاحِ وبتعاطي المفاهيمِ القابعةِ في ثنايا الكتب؟ وهل يمتلك هذا النص المقدرة للخروج ابعد بكثير عن أسوار البحث الأكاديمي وأسباب تحصيل الألقاب العلمية؟ هل هو نص يمتلك خطاباً فيُقرأُ حياً ويتم تداوله بين الاوساط العامة؟ وهل يتدارك هذا النص احتمالات وصولَه مشارفَ المحاقِ والنسيانِ فعلاً؟ أم أنه مشروع متطور وعضوي وقادر على مواصلة سيرورته إلى أبعد من هواجسنا المتشائمة؟
..ألم يمل النقاد مكوثِهم طويل الأمد في واقعٍ موازٍ تمامًا لواقعهم المعاش، وهم يلوكون لحم العروض المسرحية بأسنان صناعية؟ الا يرى صناع هذا النوع من النصوص النقدية أنهم يصطنعون واقعاً يتفكّكُ فيه الارتباطُ تدريجيًّا بالمجتمعاتِ التي عقدت صِلاتِها بالمسرح منذ شرقه اشراقته؟ أليس من غير المجدي أن ينحسر المسرح بتصنيف أحادي يحيله إلى علم يسكنُ صفحاتِ الكتبِ والمؤلفاتِ التنظيريّةِ فحسب، ويتم تناسي أنه قبل كل توصيف أو تصنيف لم يكن أكثر من فعاليّةً خلقتْها المجتمعاتُ القابضةُ على لحظتِها الروحيّةِ والجماليّة في صدع باعد بين صدفي الميثوس واللوغوس إلى الحد الذي سمح بانبثاق ظاهرته لأمد غير مسمى ..
فعندَ لحظةِ المسرحِ يتاح للوعي قراءة مغايرة لسرديته ويؤذن للقضايا أن تعبر إلى بوحِها، فلا تستعصي الطقوس على العوام بما يمتلك هذ الفن من قدرة فارقة على إنتاجِ خطابٍ أكثرَ شموليّةً واتّساعًا وبمستويات مختلفة تطور مجساتها على الاشتباكِ مع المعطى الحياتيّ ضمنَ مُرَكّباته الحاضنة للأزمنةِ والقادرة على إنشاء بوابات تنفذ من خلالها الأفكار ويعاد تشكيلها بما يتناسب ومتغيرات العالم.
لذا فإنّ الكتابةَ النقديّةَ عن فنونِ العرضِ المسرحيِّ بمختلفِ أشكالِه وانتماءاتِه ظلّت لسنواتٍ محطَّ اهتمامِ المعنيّينَ في الشأنِ الثقافيّ بما يتعلق بتمكينُ سُبُلِ النشرِ وفسحُ المجالِ لتواجدِ بعض النقّادِ في المحافلِ الثقافيّةِ والفنيّةِ العامّة، ولعلّهُ الأمرُ الفارقُ الذي اختلفتْ معهُ المعطياتُ الحاضرةُ في (الدورةِ السادسةِ عشرةِ لمهرجانِ المسرحِ العربيِّ) المُقامةِ على أرضِ مصر، عبرَ تدشين صيغة مركزة تقترح ضرورةِ تعريضِ النقدِ المسرحيِّ المرافقِ للتجربةِ المسرحيّةِ العربيّةِ إلى قراءةٍ بنيويّةٍ من الداخل، قراءةٍ أقربَ ما تكونُ إلى نقدِ النقد.. قراءةٍ تحاولُ ترشيح مركبات قرائية جديدة علّها تعمل على إذابةَ بعضِ المسكوكاتِ النقديّةِ والبحث عن مقترحات بفواعل عضوية ربما تمكن الخطاب النقدي من إعادةَ تعييرِ عناصرِه بما يلائمُ تحدّياتِ الحقبة الزمنيّةِ ورهاناتِها الفكرية الحاضرةِ في يوميّاتِ المواطنِ العربيِّ وما تعكسه المجريات والحوادثُ اليومية الضاغطة على وعييه وتوجهاته في ظل سياسات حياتية متقلبة تتداخل فيها صناعات التشدد ويتقاذف فيها العالم حروبه المحتملة وتتم فيه صياغة تعريفات ناعمة للإبادة والوحشية، فضلاً عن التحوّلاتِ المتسارعةِ في واقعٍ متعجّلٍ بحدوثه التكنولوجيّ والثقافيّ وبأفول قيمة الإنسان فيه، وسواء اتفقنا أو لم نتّفقْ فإنّ التعاطيَ الجماهيريَّ مع مخرجاتِ التجربةِ المسرحيّةِ العربيّةِ هو حالةٌ لا ترتقي للطموحِ في أحسنِ أحوالِها – مع ضرورةِ الإشارةِ إلى نسبيّةِ الفارقِ بينَ بلدٍ عربيٍّ وآخر- الأمرُ الذي يلهمنا بضرورة البحث عن سبل تكشف لنا عن أبرزِ مسبّباتِ ذلك التصاديِّ الذي يتخلّلُ العلاقةَ ما بينَ المسرحِ بكلِّ حيثيّاتِه ومشاغله، وبينَ الفضاءِ العامِّ المتمثّلِ بالجمهور قبل أن ينفرط العقد بينهما وقبل أن يبتلع النهم التكنولوجي البعد الإنساني في تجربتنا برمتها.
فإن كنا نصدّقُ حقًا أنّ للمسرحِ سلطةً، فعلينا أن نصدّقَ أيضًا أنّها سلطةٌ تستمدُّ وجودَها عبرَ توافقات وذائقة العقدِ الاجتماعيّ، وحينئذٍ يصيرُ لزامًا أن تمثّلَ الكتابةُ النقديّةُ وسيطًا ضالعًا في التواشجِ عبرَ القدرةِ الكامنةِ في الكتابةِ ذاتِها على فتحِ قنواتِ الاتصالِ والتواصلِ، وبهذا يضعُنا التوجّهُ الجديدُ للقائمينَ على مجرياتِ الدورةِ السادسةِ عشرةِ لمهرجانِ المسرحِ العربيِّ بما يخصُّ المحاورَ البحثيّةِ حقًا عند مفترقِ طرقٍ وعتباتٍ بمسافةٍ جماليّةٍ تسمحُ بتقييمِ غائيّةِ النقدِ ووظيفتهِ عبر المعيار الخاص بالتعاطي الجماهيري العربي تحديداً، وعبرَ تسليطِ الضوءِ على أهدافٍ مستحدثةٍ تلائمُ متطلباتِ الواقعِ المعاصرِ وتشتبكُ مع أبرزِ تحدّياتِ المرحلةِ الثقافيّةِ والاجتماعيّةِ العربيّةِ، والكفِّ عن إعادةِ تدويرِ السياقِ النقديّ المنعكسِ على مسرحنا من بيئةٍ مغايرةٍ لم تؤشّر سوى نكوصها التدريجي ولم تنتج سوى نُسخٍ نقديّةٍ (سيمولاكرية) تبعدُ عن الحقيقةِ أكثرَ مما نعتقدُ أو نتصوّرُ وهو خيار لا يهدف الى أي شكل من أشكال القطيعة المعرفية بقدر كونه يؤشر إلى ضرورة ترتيب الأوراق الخاصة بالمعطى النقدي وتقليص ذلك التمادي المفاهيمي الذي وصل حدود الترهل بوصفه فائضاً عن حاجة القارئ إن لم نقل المجتمع.
…فهل تكتفي التجربةُ النقديّةُ العربيّةُ بملاحقةِ العروضِ عبرَ بوابةِ المهرجانات؟ وهل تكتفي هذه التجربةُ بتقديمِ الدراساتِ النقديّةِ حولَ النصوصِ المسرحيّةِ المنشورة كعينات بحثية صلبة؟ وهل يمكنُ الإقامةُ عند الحدودِ الغائية للنشرِ النقديّ في الصحفِ والمجلّاتِ ومواقعِ التواصل؟ هل يقرأُ الجمهورُ ما نكتبُ فعلاً؟ ثم من أيّ شريحةٍ يتشكّلُ هذا الجمهورُ إن وجد؟ فتوصيفُ الكلمةِ جمهورٌ تشيرُ إلى أصلِ العددِ الكبيرِ الذي تحدثُهُ حالةُ الجمهرة، وبهذه المسائلاتِ تكونُ المحاورُ البحثيّةُ التي تصدّرت عنونةَ هذه الدورةِ قد وضعتْ في رصدِها للتجربةِ النقديّةِ بعضَ الإشاراتِ النّاهضةِ التي تؤشّرُ إلى مدى فعاليّةِ العلاقةِ القائمةِ بينَ المنجزينِ النقديِّ التنظيريّ والتطبيقيِّ لأولِ مرّةٍ في كفّةٍ واحدةٍ بمقابلٍ يمثّله مكوّنُ الجمهورِ الأكثرِ أهميّة بما يعيد الجدلية المنتجة إلى أصلها، وهي إشارةٌ سائلة تمرر الرائعِ والمريعِ في آنٍ واحدٍ، فالرائعُ فيها هو ذلك العودُ الذي طالما نسيه النقّادُ وصناعُ العروضِ بأنّهم على ضفّةٍ واحدةٍ وليسوا أندادًا، فلا أحدَ يستطيعُ على الإطلاقِ أن يلزمَ صانعَ عرضٍ بمعطى نقديّ، وكذلك فإنّ أحدًا لن يستطيعَ أن يجبرَ ناقدًا على الاشتباكِ والتعاطي مع تجربةٍ مسرحيّة بعينها .
هكذا إذًا تتشكل العلاقةُ قائمةٌ على حريةِ الاختيارِ، لذلك فإنّ العنوانَ الذي اشارت إليه بوصلةُ المهرجانِ في متونهِ البحثيّةِ هو عنوان بمحمولات تهدف إلى فتحَ ممرٍّ بينيٍّ يمرُّ بينَ الاثنينِ ليتواصلَ مع المكوّنِ الأهمِّ في العمليةِ المسرحيّةِ وهو الجمهورُ، والذي لا بدّ أن نستشعرَ دوما روعَ تآكلِ حصّتِه داخلَ المعياريّةِ الغائيّةِ للممارسةِ النقديّةِ ذاتِها، بالقدرِ ذاته الذي تشتّت فيه إلى حدٍّ ما قدرةُ الممارسةِ التطبيقيةِ للعرضِ المسرحيِّ العربيِّ، وابتعادَ كثيرٌ من تجاربهِ عمّا يمكنه أن يمسَّ شغافَ الذائقة العامّةِ، وللعديد من الأسبابٍ التي يتعلّقُ بعضها تارةً بتعنّتِ التعقيدِ البصريِّ وتارةً أخرى بتعاليٍ تكنولوجي كثيرًا ما أسهمَ بتوسيعِ الهوّةِ المرافقةِ للعروضِ التي تستهدفُ تدشينَ العديدِ من المشغّلاتِ الفنيّةِ ذاتِ السماتِ الما بعديّةٍ، بصورةٍ وضعتْ المتلقّي أمامَ (إفراطٍ) في التشكيلِ والصورةِ والسينوغرافيا والأداءِ أيضًا.
..وهذا الإفراط قد لا يمثّلُ حالةً سلبيةً داخلَ فضاءِ التجريبِ كحالة خاصة بممارسةِ مسرحيّةِ، لكنه يكونُ كذلك إذا تجاوزَ المستوى المطلوبَ وتحول إلى توجه غنوصي يتجاوز شعرية الخشبة، أو حين يتحوّلُ إلى جوهرِ موازي للقصديةِ المسرحيّةِ ويصرفُ انتباهَ صناعِ العروضِ عن ضياعِ فضاءِ المشتركاتِ اللغويّةِ أو الفكريّةِ، ويتأتى ذلك كلهُ تزامنًا مع ترسيمِ الحقلِ النقديِّ لأستشكال مفاهيمي وتبئيرٍ اصطلاحيٍّ أسهمَ هو الآخرُ في صناعةِ مدونة نقدية منغلقة لا يدخلها سوى النخبةِ والمتخصّصين- وهو ما نشهده في عدد غير قليل من الجلسات النقدية التي تقام عادة بعد العروض – بما يضعُ صياغةً ناقصةً لمعادلِ الممارسةِ المسرحيّةِ متمثّلةً في ثنائيّةِ العرضِ/النقدِ دون أن تستوعبُ الجمهورَ ومتطلباته، ونحن نعلمُ عبرَ تجربةٍ تجاوزتْ ثلاثةَ آلافِ عامٍ من المسرحِ أنَّ أيَّ سياقٍ ثقافي أو فني لا يشملُ آلياتِ عملٍ تضعُ في اعتبارِها المتلقّي، لن تمثلَ سوى لحظةٍ مغلقةٍ لآفقٍ فصاميٍّ غيرِ قادرٍ على إحداثِ الأثرِ، ومن غير المجدي الاستمرار فيه، ومن غيرِ الممكنِ الركونُ إليه أو خلقُ حالةٍ محاكاةٍ نقدية للواقعِ.




