نقد مسرحي

من زاوية أخرى أو وجوه الحقيقة المتعددة / د. نوال بنبراهيم

من زاوية أخرى أو وجوه الحقيقة المتعددة

قدمت فرقة المسرح الكويتي عرض “من زاوية أخرى” للمؤلف مصعب السالم والمخرج محمد جمال الشطي الذي ارتكز على التحقيق كإطار بنيوي يقوم على الاستجواب، واستثمار شخصيات المحقق والمتهم والضحية، وتداخل الحقيقة بالخيالي والعجائبي. وبنى حكايته على حدث إجرامي شكل نقطة الانطلاق، وتقصي الحقيقة المبنية على الشك والإنكار ثم الاعتراف.

وينطلق العرض من الجريمة بوصفها آلية درامية تروم كشف السلوك الإنساني، وإثارة الأسئلة المرتبطة بالحقيقة والعدالة، وتعرية الدواخل النفسية والاجتماعية التي تقود إلى ارتكاب الفعل الإجرامي من أجل فهم أعماق الإنسان والمجتمع.

وتبدأ الأحداث بالتحقيق في وقوع جريمة قتل من عدة زوايا، لتنكشف في نهاية المسرحية دوافع القتل ومبرراته. لهذا كان هاجس المحقق منصبا على جمع الأدلة المادية، وفهم ملابسات الجريمة، وإعادة بناء أحداثها، ثم محاولة إدانة الخادمة سارة وابنها آدم في إطار بحثه الدؤوب عن الحقيقة.

والظاهر أن الحدث الرئيسي – التحقيق – لا يرتبط بمرجعية واقعية، بل بخيال الكاتب، حيث تدور احداث الحكاية في رأسه، فلا تعرض وقائع حقيقية، وإنما تصورات ذهنية؛ فيتحول المسرح إلى فضاء نفسي يعكس اضطراب الوعي وتشظي الحقيقة.

ويُقدم المعنى بشكل متقطع وغير مكتمل، ليغدو العرض غير إيهامي لا يرتكز على حكاية متسلسلة، بل على حكايا مفككة ومتنافرة لكي لا يصل المتلقي إلى تكوين وحدة متماسكة، وليراها من زوايا متعددة ويمارس قراءات متنوعة. وبناء على ذلك تتكرر لوحاته وتتناثر وتتبعثر، وتحول نص العرض إلى حدث مشهدي وظف الأفعال الحركية والإيمائية والمسموعات والصور لبتر الحدث والانزياح عن النقطة المركزية.

فكرة العرض

وينطلق العمل من فكرة الشر التي يُفتتح بها العرض لتصبح محوراً ترتبط به جميع الأحداث. ويتولى المحقق تفكيكها والبحث فيها بشكل تفصيلي، ويتمثل دوره في إعادة صياغة حكاية القتل أو الجريمة، كما لو أنّها تحدث في اللحظة نفسها، أو يُفترض أنها تحدث مجددا موحيا بواقعية وجود الأسرة.

ويبث العرض هذه الفكرة في صورة فوتوغرافية ثابثة في بدايته، لتتنفس وتتضح بعد ذلك من خلال صوره المتتالية التي ارتبطت بالظلام واللعنة والخوف جعلت المتلقي يتابع العرض ويترقب الأحداث البصرية لفهمها، رغم تقديمها بطريقة مفككة وغامضة، واعتماد عنصر المفاجآت البصرية.

الحكاية

انزاح العرض عن قواعد التشكيل الدرامي التقليدي، بحيث لا تتطور حبكته لا بشكل عمودي ولا أفقي، وإنما جاءت مفككة ومجزأة الى احداث غير مترابطة، ولوحات يقود خيوطها المحقق بواسطة استحضارها أواجلائها. وتحتوي عدة حكايا:

  • حكاية الاب والام،
  • حكاية الابن الاكبر وزوجته،
  • حكاية الضيف والاسرة،
  • حكاية الاب والخادمة،
  • حكاية الخادمة والابن ادم،
  • حكاية المحقق.

ويجزئ الأحداث الى لوحات منفصلة ينتفي قانون السببية في استحضارها، وتكتسب معناها في علاقتها بالتحقيق. ويعتمد القفزات الفضائية والزمانية من دون داع منطقي، لذلك كانت كل اللوحات غير مكتملة. ووجد المخرج حلاً ذكياً في تغيير الفضاءات عن طريق استحضار المنصات المتحركة والاضاءة ليتمكن من الانتقال من عالم الى اخر بسهولة.

الشخصيات

اهتم المخرج بالشخصيات بصريا بواسطة تركيزه على خصائصها من حيث المظهر والسلوك. والظاهر أنه فهم دوافعها وأهدافها، ووقف على تحديد حالتها الشعورية والنفسية، الشيء الذي مكنه من تجسيدها فوق الخشبة على الطريقة التالية:

  • الشخصيات الشبحية أو الخيالية:
  • الاب: متسلط يمارس سلطته على زوجته.
  • الام: مقهورة تحولت الى انسانة غير مبالية وغير مكترثة.
  • الابن الأكبر: اناني ومغتر اجتماعيا ومتعدد العلاقات.
  • الزوجة: ضحية تعاني من علاقات زوجها النسائية المتعددة.
  • الابن الأصغر: بدين وشره وغير مكترث لما يدور حوله.
  • الضيف: صديق العائلة، ومفقوء العينين وكثير الدعابة.

الشخصيات الواقعية:

آدم: ثمرة علاقة غير شرعية بين الاب والخادمة، ويساوي الانسان النقي والبريء. ورغم انه معاق عقليا، فإنه يستحضر بعض التفاصيل ويتذكر ما ينساه الجميع، وحديثه متناقض لأنه يروي ما عاشه جسده لا ما يفهمه عقله، ويتحدث عن الظلام واللعنة، وهما جوهرا موضوع العرض.

الخادمة سارة : ضحية الاب الذي رفض الاعتراف بابنه، فعانت من ظلمه؛ لذلك ادارت خيوط جريمة القتل، وطبقت العدالة بطريقتها، وهي صارمة وغير مترددة ومقتنعة بفعلها.

المحقق: متكبر ومغرور فشل في زيجته ومسؤوليته الأبوية، و جاء للقصر لا ليحقق في الجريمة – في واقع الأمر، بل في فشله الشخصي.

وغني عن القول إنه لا تتضح معالم الحكاية أو الشخصيات في البداية، بل تحتاج وقتا حيث يؤسس المحقق اللوحة ويهدمها، ويعيد طرح صور الماضي ككيان مبهم عبر لوحات متكررة تحول دون الوصول إلى الحدث اليقين. ولا يتصل المحقق مباشرة مع أفراد الأسرة، بل بواسطة استحضار صور الماضي، مما يجعله خارج العلاقة يتأملها ولا يندمج معها؛ وهي وسيلة لخلق التباعد بين الشخصية والمتلقي وتقليل التعاطف بينهما.

وكما نلاحظ أن الشخصيات لا تحمل اسما لأنها نموذج خاص لأسرة مفككة تحيل على خلل بنيوي موجود لدى كثير من الأسر في المجتمع. وتتحرك بشكل غرائبي، وتبرز خصائصها من خلال ازيائها وماكياجها وادائها، وتعاني كل واحدة من عذاب نفسي. باستثناء الخادمة التي تحمل اسم سارة وابنها ادم اللذين يمثلان الطبقة المطحونة التي تعاني من ظلم الأسرة.

الموضوع

يعالج العمل موضوع الشر الذي يسكن قلب الانسان فيمزقه، وقد نتج بسبب تفكك الأسرة وانهيار روابطها لكثرة الخلافات والنزاعات بين الوالدين وتضارب أفكارهما وفشلهما في أداء أدوارهما؛ الشيء الذي خلّف آثارا سلبية على الأبناء: التوتر والاضطراب العاطفي وضعف الشخصية لدى الابن الأكبر ، والانطوائية لدى الابن الأصغر.

ويبدأ العرض بالحوار التالي منطوقا من قبل كل الشخصيات المتواجدة فوق الخشبة “الشر يشرب النور حتى القطرة الأخيرة.. والليل يمد أصابعه من الظلال نحو النور.. الظلام يمزق كل قلب ينبض بالحياة.. الشر يسكن فينا. .إنها اللعنة. إنّه الشر. إنّها اللعنة.. تنال منا.. ومنهم.. ومنكم جميعاً.. قصر ملعون.. وعائلة ملعونة.. شر يطوف بنا.. وظلام يسرق ما تبقى من نور فينا.. إني أخاف.. هذا اعترافي.. فأنا خاف الظلام”.

وهكذا تبدأ المسرحية بكلمة “الشر” بما تحمله من دلالات الفساد والسوء والأذى والضرر والمعاناة والألم. ويتضمن في جوهره الظلم نتيجة سلوكيات ولدت المعاناة وأفرزت رغبة التدمير.

كما تحضر كلمة “الظلام” في العرض بوصفها امتدادا للفظ السابق، ويعني غياب الضوء وأي بصيص من النور، ويتخذ دلالات متعددة في العرض منها: العتمة التي تسود القصر، وسواد مصير الأسرة ، وشقاء سارة وآدم لسطوة الظلم وغياب العدالة.

المأساة المركبة

إنها مسرحية اجتماعية واخلاقية تجسد مأساة انسانية مركبة من عدة مآس:

  •  مأساة الاب والام،
  • مأساة الابن وزوجته،
  • مأساة الخادمة وادم،
  • مأساة المحقق.

ويمكن القول عنها أنها مرثية درامية لأسرة تموت بأكملها بطريقة غرائبية: فالأب مات مشنوقا بحزامه، والام – ذات الفك المكسور – ماتت محروقة، والابن الاكبر اقتلع قلبه وتشوه نصفه السفلي، وزوجته ماتت مقطوعة الرأس، والابن الأصغر مات مختنقا بالطعام، والضيف مات مكسور الرقبة، ثم المحقق مات مطعونا بسكين.

ومن ثم يبدأ العرض بمناخ نفسي مشحون بالصراخ والبكا ء والاستجواب الذي خلق توترا أثار فضول المتلقي. وبدل أن يقدم الأحداث بشكل مباشر، ركز على تقديم الجو العام، ليثير أسئلة في ذهنه. فتتابعت اللوحات التي ارتبطت خلفيتها بفكرة الشر وطرحت الأحاسيس التالية: القلق، الاغتراب، التشظي، الغربة، المعاناة، الظلم والظلام… تعبر عن حالات نفسية مشتركة بين شخصيات تتصارع فيما بينها، ويقدمها المخرج من زاويا متعددة ومختلفة تظهر تعقيدات النفس البشرية.

ومما هو جدير بالانتباه أن غموض العرض وصعوبة تتبعه قد يكون عائقاً في فهم الدلالات من قبل المتلقي غير المختص. وأن المبالغة في تجزيء اللوحات وتكرارها من زوايا مختلفة قد تفقده قوته وتأثيره، وتجعله يبدو متكرراً بدلاً من أن يعمق الحدث.

التمثيل

إن أداء الممثل الحركي والصوتي والانفعالي وإيقاعه كشف حالة الشخصيات النفسية والاجتماعية بشكل واضح. ولقد حاول ترجمة الحالات التالية:

المحقق: واثق من نفسه طيلة العرض يبحث في التفاصيل مستندا على العقل والحجة للعثور على الإجابة.

 سارة: لها طبع حاد وطريقة حديثها جافة وواثقة من نفسها.

 ادم: يبدو معاقا في البداية، لكن سينسى الممثل هذه الإعاقة طيلة العرض، وسيؤدي بشكل عادي وكأنه إنسان سليم.

 الاب: قاس وسريع الغضب.

الام: متصابية وتحقد على الاب.

 الابن الأكبر: مغتر وخائن لزوجته.

 الزوجة :غيورة وتعاني من خيانة زوجها.

الابن الأصغر: شره وغير مكترث لما يدور حوله.

 الضيف: صاحب نكتة وغير مقبول لدى الخادمة والاب.

الأداء الحركي

كان الأداء الحركي لغة موازية وأداة لبناء معنى مغاير، إذ لا ينجز الفعل بقدر ما يؤوّل المعنى. وارتبط بالصعود إلى المنصات والنزول منها والدوران والانتقال بينها، لتجسيد الانتقال من حالة نفسية إلى أخرى، والتعبير عن تعدد وجهات النظر.

وخلقت الحركة المحدودة داخل فضاء المنصات إحساساً بالضغط والضيق والاختناق، لتتلاءم مع مضمون العرض. وتراوح الإيقاع الحركي والإيمائي بين الحركة المحاكية للواقع والحركة التعبيرية السريعة والمتوترة، مما أخرج العرض من الرتابة، كما استخدم التكرار للتعبير عن القهر الاجتماعي والنفسي، والعجز عن التغيير، والدوران في حلقة مفرغة حاملا بعداً رمزياً، إذ يتحول الجسد إلى علامة مسرحية تعبّر عن الانكسار وتبحث عن الخلاص.

الإلقاء الصوتي 

لا يُؤدى الممثل بطريقة تقليدية، بل يشتغل ضمن رؤية إخراجية تعتبر الصوت جزءا من بناء العرض الدرامي والجمالي، ويتكامل الصوت مع الجسد والإيقاع والصمت ليُنتج أداءً تعبيريا متعدد المستويات يساهم في تعميق المعنى. ولقد كان منسجما مع نوع الأداء الحركي التعبيري، لذلك واكب الإلقاء الحماسي والسريع والمندفع والمتوتر الحركات العنيفة، وواكب الإلقاء الخافت او المكسور الحركات المنكسرة ،مما اعطى مصداقية للأسلوب التعبيري المنتقى. غير أن الانتقال المفاجئ أحيانا وغير المبرر بين الطبقات الصوتية من الصمت إلى الصراخ أحدث تنافرا في الإيقاع، كما سقط الممثل في تكرار النمط الصوتي.

الأداء الانفعالي

اعتمد الأداء الانفعالي على تجسيد مشاعر متعددة بحسب الحالة المطلوبة مثل الغضب والقلق والتوتر والخوف…، ورافق الأسلوب الحركي والصوتي التعبيري القائم على الحركات اللجوجة والهجومية، والتحرك بشكل ميكانيكي، والسرعة، والوقفات المفاجئة، والانتقال المفاجئ…. ولم يُصرَف هذا الانفعال بطريقة واقعية، بل جاء مشفّرا دلاليا – انسجاما مع رؤية المخرج الرمزية، ليدفع المتلقي إلى الاجتهاد في فهم حالة الشخصية النفسية.

الإخراج

توظيف الفضاء

اعتنى المخرج بالفضاء بوصفه إطاراً مادّياً وشبحياً، ساهم في توصيل فكرة الظلام والغموض والشر، وأعطى انطباعاً بصرياً أبرز عالماً مسرحياً مليئا بالتوتر والموت. واهتم بتوزيع الديكور والإضاءة والممثلين بشكل متناسق لخلق صور بصرية تجسّد رؤيته التعبيرية.

إدارة الممثل

ويبدو أن المخرج تحكم في تنقلات الممثل وإيماءاته وحركاته الكبيرة والصغيرة بشكل واضح، كما التزم الممثل بتعليمات المخرج وتحرك وفق أوامره بطريقة محسوبة مجسدا الشخصية بفاعلية، ومحافظا على دينامية الأداء واليقظة لما يدور حوله.

الرؤية الإخراجية

إن الجمال لدى المخرج هو صدق التعبير عن الحقيقة – مهما كانت قبيحة ومشوهة، لذلك حاول ان يصور الواقع عن طريق المبالغة وتفتيت الحدث، وخلط الحاضر بالماضي ، والتحقيق في هذا الاخير بنبرة انفعالية عالية، وتوظيف الصدمة والاشمئزاز والعنف، لكشف المسكوت الاجتماعي والنفسي والأخلاقي.

ولقد اشتغل المخرج بالتقنيات التالية:

الطرح الواقعي والرمزي: حيث نلمس تداخلا بين الواقع والخيال، الحاضر والماضي، توثيق اللحظة الراهنة والقدرة على الإيحاء الرمزي على الأزمات الاجتماعية والنفسية، واستحضار الدلالات التقريرية والإيحائية لتحفيز المتفرج على التفكير النقدي بدل الاكتفاء بالمشاهدة السلبية.

الكاريكاتور: بالغ المخرج في تصوير ملامح الشخصيات وخصائصها من خلال تضخيمها وتشويهها لإبراز عيوبها وكشف حقيقتها الداخلية، والسخرية منها. ولقد وظف المبالغة في الأداء والمنظر والفضاء أو الصورة لنقل القبح الداخلي، فكانت أداة قوية في السرد الفني جسدت رؤية مرعبة ومؤلمة اعتمدت التشويه لتصور الجانب المظلم في حياة الاسرة والقسوة التي يمارسها كل فرد على الاخر.

السخرية: عرض المخرج صورة ساخرة تنهل من المفارقة والتهكم من الاختلالات الإنسانية والاجتماعية، وتروم إلى انتقاد الواقع وفضح سلوكاته والتشكيك في قيمه بطريقة غير مباشرة.

البنائية: اعتمد الإخراج على الطريقة البنائية في كل عناصر الإنجاز الركحي: الاداء والازياء والمكياج والديكور والإضاءة والموضوع عن طريق خلق جدلية بين الواقع والرمز، والانتقال من الخاص إلى العام ليعري النزعات النفسية القاسية المترسبة داخل الانسان.

التضاد : مكنت هذه التقنية الدرامية والجمالية من إبراز التقابل بين عنصرين أو عدة عناصر فوق الخشبة، وكشف المتناقضات، ومنحت العرض كثافة دلالية وجمالية. وتجلى هذا التضاد على مستوى:

الشخصيات مثل الأب / الأم، الابن الأكبر / الزوجة، التي تحمل طباعا وقناعات مختلفة،

  •  اللغة الجادة والساخرة،
  • الفضاء المظلم والمضيء،
  • الإيقاع السريع والبطيء،
  • المواقف العنيفة والساكنة،
  • الزمن الحاضر والماضي،
  •  الحركة والجمود،
  •  الصمت والضجيج…

توظيف السينما: وظف العمل المسرحي سمات بصرية تقترب من سمات السينما، حيث اعتمد على اللقطة الواحدة وعلى تجاور لقطتين مختلفتين. وامتلكت الصورة بداخله سياقات متنوعة: (الايمن والوسط والايسر والامام والخلف والاسفل والاعلى،) تعامل المخرج مع علاقاتها بتقنية القطع والكولاج ليجسد التجاورات والتحولات، وليعبر عن حياة اسرة تعاني من التفكك واللاتواصل.

لذلك قدم لوحات مجزأة يمكن ان نبدأ بالأولى او الرابعة او السادسة ، فلن يضطرب المعنى، لأنه يحكمها التقطيع والوقفات المفاجئة، ويمكن تركيبها بكل الطرق الممكنة، حيث يظل المحقق في موضع المراقب وفي قلب الحدث ويجذبنا داخله.

كما أن توظيف الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية خلق عالما سمعيا غير مرئي – كما في الفيلم، واعتماد التمثيل التعبيري الذي يرتكز على الاقتصاد في التعبير والانفعال والحركات والنظرات الحادة التي تسبق الكلمة، جعلنا نحس أننا امام كاميرا خفية تصور تفاصيل الحركة والانفعال. ومع أنه المخرج مسرح الصورة السينمائية واشتغل بعين سينمائية إلا أنه حافظ على جوهر المسرح وهو الحضور الحي والآني.

الاسترجاع: فكك الزمن عبر لعبة الذهاب الى الماضي والعودة الى الحاضر مستخدما الضوء والصورة والايقاع السريع الذي اثرعلى عملية الانتقال.

تقنية تعدّد وجهات النظر المعروفة سينمائيا بأسلوب فيلم “راشومون” للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا Akira Kurosawa حيث يستكشف الحقيقة من خلال شهادات متناقضة وحركات كاميرا تعزز الشعور بالغموض وتعقيد الطبيعة البشرية، وتسلط الضوء على الأنانية وعدم القدرة على أن يكون الإنسان صادقا. وهو الشيء الذي اشتغل عليه المخرج عندما قدم جريمة القتل بواسطة عدة شهود، إذ يعرض كل واحد تفسيرا مختلفا حسب وجهة نظره الخاصة، ومن عدة زوايا بواسطة تحريك الديكور والإضاءة والاداء.

المنطق الشبحي: هيمن على الخشبة الغموض والتعقيد لاعتماده على الايحاء بدلا من التقرير والأحداث المتناقضة والفضاء الفنتازي المجسد بالإضاءة التي اشتغلت كأداة دلالية موحية، لأنه استخدم الإضاءة الخافتة والمتقطعة جعلت الأجساد نصف مرئية، وبدت الشخصيات وكأنها تظهر وتتلاشى، مما رسخ إحساس الحضور غير المكتمل. كما وظف الضوء والظل بوصفهما عنصرين دلاليين إذ تتحرك الظلال وتنفصل أحيانا عن الأجساد، فتنتج ازدواجية بين الحضور الفيزيائي والأثر الشبحي.

وعلاوة على ذلك اسهمت الانتقالات الضوئية المفاجئة في تكريس جو العبث واللامعقول، إذ قطعت استمرارية الفعل المسرحي وأربكت إدراك الزمن والمكان. كما أن توظيف الإضاءة الخلفية حول الممثل إلى طيف أو هيأة معتمة بلا ملامح، فغدا وجوده أقرب إلى الأثر منه إلى الكيان.

ومما لاريب فيه أنه عزز هذا المنطق الشبحي عبر إضاءة بقعة محدودة من الخشبة مقابل تعميم الإظلام في الأجزاء الأخرى، فانمحت آثار الشخصية وتم استحضارها بوصفها حضورا غائبا، وهذا تجسيد مباشر للفعل الشبحي. كذا اسهم توظيف الألوان الباردة كالأزرق والرمادي والبني في تعميق الإحساس بالغياب ووجود الشخصيات بين الحياة والموت.

السينوغرافيا

التكوين الفني للإضاءة

كانت الاضاءة من الاسس الفنية والجمالية في العرض، وبدت لغة تشكيلية فوق الخشبة بنت المشاهد ضوئيا كصور مستقلة، واشتغلت على المناطق المضيئة والمظلمة. وعليه اعتمدت التقطيع الضوئي للفضاء، وقسمت الخشبة الى بؤر ضوئية وفراغات مظلمة، بحيث لا يوجد ضوء شامل يغمر الخشبة الا ناذرا؛ هدفها تفكيك وحدة الرؤية وترسيخ فكرة ان الحقيقة يمكن مشاهدتها من زوايا متنوعة؛ وبذلك تعددت المنظورات وتشتت المعنى وغاب المركز الواحد للصور. وبالتالي تغير مركز الثقل البصري من لوحة الى اخرى لتأكيد نسبية الرؤية.

وأبرزت الاضاءة الجانبية والخلفية الخطوط الخارجية للجسد وملامحه، وجردت الشخصية من بعدها الواقعي وأعطتها بعدا فنطازيا وشبحيا. وتفاعلت الاضاءة مع الديكور من خلال الاسقاطات من الأعلى، واكسبته عمقا بصريا.

وجسدت الاضاءة جو الكوابيس واستخدمت كثافة وسمكا وإظلاما ووقفات مضغوطة للسفر من الحاضر الى الماضي والعكس صحيح عن طريق توظيف:

  • حزم الضوء العمودية.
  • البقع الضوئية لكشف الصراع الداخلي.
  • الإظلام.
  • زوايا سقوط الضوء من الفوق مباشرة على رؤوس الممثلين.
  •  الاضاءة الجانبية لإبراز تفاصيل جسد الممثل وادائه الحركي.
  • الإضاءة والبعد السينمائي

كان اشتغال الاضاءة ذا بعد سينمائي في أساسه لأنه اعتمد القطع الضوئي والاضاءة الموجهة والتباين العلوي، والتوليف بين اللوحات، فخلق إيقاعا بصريا خاصا. وبناء على ذلك استخدم اللقطة السينمائية ووظف الصورة ذات الدلالة القوية مكنتنا من رؤية إطار (كادر) بصري تقوم الإضاءة فيه بدور العدسة السينمائية.

وساغ رؤيته عبر اضاءة عامة واستخدام القطع المفاجئ في المشهد والحركة والايقاع والانتقال السريع الى اللوحة الموالية، ومن حالة نفسية الى اخرى مناقضة، كأننا في لعبة بوزل puzzle ، أو أننا نتحرك في عالم من الصور المتقطعة تحمل كل واحدة دلالتها الخاصة.

وهكذا فرض تكوين الإضاءة الفني حضوره على اساس لوحة تشكيلية مغلقة لأنه ركز على هيمنة الصورة واختزل الشخصية في كتلة ضوئية، وصادر جسد الممثل وتعبيره الجسدي والصوتي. ايضا تشابهت الصور الضوئية المعروضة في كل لوحة، وتشابهت التكوينات الضوئية التي كانت ثابتة أحيانا ولم تتطور مع تصاعد الحدث.

وبالتالي هيمن منطق الصورة واللقطة، وبدا التكوين الضوئي استعراضا تقنيا بالدرجة الأولى، واصبح غاية في ذاته حيث تطغى الصورة الضوئية المتقطعة، وتكررت صيغة تشكيل اللوحة الضوئية في مجموعة من اللوحات، فكنا امام صورة جميلة تفوقت تشكيليا.

الديكور

تميز الديكور بالمرونة والتوازن بين الرمزية والوضوح الفني، حيث اشتغل المخرج بمنصات متحركة تتكون من منصة مركزية دائرية في الوسط، ومنصات أخرى متحركة ذات أشكال مختلفة تؤمن مناطق التمثيل، ويتم بناء الصور عليها، وتوفر أقصى درجة من السرعة للانتقال من لوحة إلى أخرى، الأمر الذي ساعد على انتشار الحدث ووفر فضاء ديناميا فوق الخشبة.

وانطلاقا من ذلك قام الديكور بوظيفة تقسيم اللوحات، وأمن الانتقال من مكان إلى آخر، وأبرز الشخصيات وصراعها الداخلي، وشكل مساحة للعب، وعزز الإحساس بالحركة والتغيير، وأضفى بعدا بصريا. ومن ثم وجه تركيز المتفرج للارتباط بواقع الشخصيات وفهم العلاقات التي تربطها.

ولم تكن هذه المنصات مجرد مستويات مرتفعة عن الخشبة او أرضية تؤمن مساحة اللعب فحسب، وإنما مكنت المتفرج من مشاهدة الأحداث من زوايا بصرية مختلفة، وموازين قوى متفاوتة، وأوحت بفكرة الحصار النفسي الذي تعيشه الشخصيات المنعزلة عن العالم.

الخلفية 

جعل المخرج صورة الخلفية غير مستقرة عبر تغييرات ضوئية متواصلة، ليجسد تشظي الفضاء ويعكس توتر الشخصيات وقلقها النفسي. فتواطأت مع الجو العام المعروض فوق الخشبة: الاحتراق والموت والظلام، وكانت شريكة في السرد والبناء الدرامي، وشاهدة على تحولات الشخصيات النفسية والدرامية. ومما لا يخفى علينا أنها لم تسع إلى محاكاة الواقع، بل إلى إعادة تخيله وتأويله، فحولت الخشبة إلى فضاء ينساب بين الممكن والمفترض، الوعي والخيال، فأعطت بعدا جماليا.

جسدت الخلفية طابعا رمزيا كابوسيا ساده الاحتراق والتشوه وعكس العتمة الوجودية، فظهر في الأخير ستار ضخم عليه آثار الحروق، وهيمنت عليه الأجواء الكئيبة والظلال، فتحول إلى مصدر خوف صامت، وحضر بوصفه حالة شعورية مضطربة تعكس تمزق الشخصيات.

الأزياء

استطاعت الأزياء أن تحدد عمر الشخصية ومهنتها ووضعها الاجتماعي وحالتها النفسية، وتميزت بالوضوح، وتفاعلت مع الإضاءة، وتناسقت مع الديكور لتعطي صورة متكاملة ذات دلالة رمزية وإيحائية.

ولقد وظفت مصممة الأزياء ألوانا داكنة تماشيا مع طبيعة الشخصيات الشبحية – الأسرة – أو مع الشخصية المعانية نفسيا والمتصارعة مع داخلها – المحقق ، كما استخدمت اللون المحايد لدى سارة التي تمثل الجانب العقلاني، ثم استعملت اللون الفاتح في زي آدم لتحيل على داخله النقي والبريء. وتجدر الإشارة إلى أنها استخدمت خامات تاثرت بالإضاءة حيث يتغير لون الزي حسب انعكاسها وانطلاقا من زاوية تسليطها عليه، فانسجم مع منطق العرض القائم على الخيال والتحقيق الذهني.

الماكياج والأقنعة

وتماشيا مع رؤية المخرج، وظف المكياج بطريقة تعبيرية تستند الى المبالغة، حيث ركز على تضخيم ملامح الشخصيات لابراز قسوتها وهشاشتها في الان نفسه. وانسجم مع منطق الشخصيات الشبحية، لهذا وظف الالوان الداكنة والشاحبة لتعكس الموت والخواء الداخلي. ولا مراء أنه اشتغل كلغة بصرية موازية جسدت اعماق الشخصيات التي تعج بالضياع والانكسار والعتمة. و حافظت على الطابع الفنطازي والشبحي. فضلا عن أنه وظف اقنعة ابعدت الممثل عن محاكاة الواقع. وجعلته كائنا شبحيا يحرس الشخصيات الميتة، فكانت فاعلة في الجو العام للعرض.

الموسيقى

عزّزت الموسيقى معنى العمل ورسالته، وكانت جزءاً من الرؤية العامة، إذ تناغمت مع إيقاع حركة الممثلين والإضاءة والمنصات. كما ساعدت على تعزيز جماليات العرض، ووُظفت في مواضيع محددة مثل الموسيقى التصويرية في البداية، وموسيقى الحفل ذات الصبغة الاحتفالية، وموسيقى تحريك المنصات والانتقال من لوحة إلى أخرى، والموسيقى المصاحبة للأحداث في الخلفية…

وعبرت الموسيقى على مشاعر التوتر والقلق والخوف والانكسار، وكانت تمهد لتلقي فعل اللوحة الموالية. لهذا كانت جسرا بين المشاهد بشكل سلس تارة، وبشكل مزعج تارة أخرى. ولعل الجانب الايجابي هو توظيفها بشكل رمزي بحيث ابتعدت في بعض اللحظات عن الاحالة على الواقع، ففتحت باب التأويل على مصراعيه خاصة عندما استعانت بمقاطع موسيقية لا تنسجم مع الايقاع الحركي والالقاء الصوتي بشكل مقصود لخلق فجوة بين الصورة السمعية والبصرية.

وأخيرا نقول إن أسلوب اشتغال العرض توافَق مع طبيعة النص الذي ينتمي إلى مسرح الجريمة، واتخذ طابعاً فنتازيا نهل من الخيال الغربي. كما ركز المخرج على الجانب التقني والعنصر البصري بشكل احترافي على مستوى الديكور والأزياء والإضاءة والأداء. إلا أن ذلك دفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل سعى إلى مخاطبة جمهور محدد متمكن من أدوات قراءة

المسرح التعبيري؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى