اخبار المسرح

“كولوتشي باو” يستحضر مسرحيا مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا

كوريغرافيا نقدية للإرث الاستعماري ولدور النخب الأفريقية في تكريسه أو تجاوزه

“كولوتشي باو” يستحضر مسرحيا مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا

تابع جمهور المسرح بقاعة الفن الرابع بالعاصمة العرض الكوريغرافي “كولوتشي باو” للمخرجة الإسبانية عايدة كولمينيرو دياز، وذلك ضمن فعاليات الدورة الرابعة لتظاهرة “تونس مسارح العالم” التي ينظمها المسرح الوطني التونسي من 27 مارس الحالي إلى 3 أبريل المقبل احتفالا باليوم العالمي للمسرح بمشاركة أعمال تونسية ودولية تنفتح على قضايا إنسانية راهنة.

يستحضر العمل “كولوتشي باو” الذي يعني “الحُرّاس” بلغة البامبارا وهي لغة أساسية في المشهد اللغوي المالي، أولئك الذين يسهرون على الزمن والاهتزاز والتضحية وهي ثلاث قوى تخترق هذا العمل. وقد أُنجز هذا العرض في باماكو في مطلع سنة 2022، ويندرج ضمن سياق تاريخي اتسم بالنسبة إلى مالي كما إلى بقية القارة الأفريقية، بإعادة تعريف العلاقات مع فرنسا.

من هذا المنطلق، يقدّم رؤية نقدية للإرث الاستعماري ولدور النخب الأفريقية في تكريسه أو تجاوزه.

وتشتغل المخرجة الاسبانية على الجسد بوصفه وسيطا معرفيا وجماليا حمالا للمعنى وقادرا على مساءلة التاريخ والذاكرة خارج الأطر السردية التقليدية، إذ يقوم “كولوتشي باو” على تفكيك البناء الدرامي الكلاسيكي ليغيب التسلسل الدرامي الكلاسيكي للأحداث لصالح مشاهد كوريغرافية جماعية تتأسس على الإيقاع والتكرار والتحوّل.

تتحرك الأجساد فوق الخشبة ضمن إيقاعات متغيرة لتأخذ منحى تصاعديا فتتراوح بين الانقباض والانفراج تارة وبين التماسك والتشظي طورا في محاكاة للحالة النفسية للشخصيات التي بدت في حالة تمزق فردي وجماعي في إشارة إلى حالة التشظي الإنساني في أبعاده الكونية.

وقد منح هذا الاختيار الجمالي العرض بعدا تأمليا مفتوحا على قراءات متعددة تُستعاد فيها آثار التجارب الإنسانية في أبعادها الفردية والجماعية، وهو ما تجلى بوضوح في التعبيرات الجسدية التي تتشكل في وضعيات موحّدة قبل أن تنفصل وتعود إلى الالتقاء من جديد في بناء بصري يترجم تداخل المصائر الإنسانية. كما يلفت العمل إلى توظيف الكتلة الجسدية بوصفها عنصرا دراميا قائما بذاته تتحول فيه المجموعة إلى كيان واحد ينبض ويتفكك ويُعاد تركيبه باستمرار.

ويستثمر العرض عناصر ذات طابع طقوسي أفريقي من خلال تكرار الحركات وتصاعد الإيقاع الصوتي والجسدي دون أن ينغلق، ليعيد توظيف هذه العناصر ضمن أفق معاصر يجعل من الطقس وسيلة لاستحضار الذاكرة وإعادة تمثّلها. وفي هذا الإطار، يشتغل العمل على ما يمكن تسميته بالاهتزاز الجسدي أو الرجة الجسدية، ومعه تتحول الحركة إلى موجة متواترة تنقل حالات داخلية يصعب التعبير عنها لغويا مدعومة بتنفس جماعي وصوت جسدي يتراوح بين الزفير والصراخ لإبراز معاناة الإنسان النفسية في عالم يتسم بالانغلاق والعزلة.

ويتميّز عرض “كولوتشي باو” بجملة من الخصائص الفنية التي تضعه ضمن تجارب الرقص المعاصر ذات النزعة التجريبية، من بينها الاقتصاد الحركي المدروس بعناية فائقة وكذلك غياب المركزية الفردية لصالح حضور جماعي يتقاسم الفعل الركحي، واعتماد زمن غير خطي يقوم على التكرار والتراكم بدل التطور السردي.

كما يشتغل العرض على الطاقة الجسدية أكثر من الشكل الخارجي للحركة من خلال تدرّج إيقاعي يتصاعد نحو ذروات جسدية وصوتية قبل أن يعود إلى حالات من الجمود، وكأن المخرجة تؤكد على أن المأساة جماعية وليست فردية وأن الخلاص لا يكون أيضا إلا جماعيا.

وعلى مستوى السينوغرافيا، اختار العرض تقشفا بصريا واضحا، إذ بدا الفضاء المسرحي شبه خال مقابل تركيز كبير على الحضور الجسدي والصوتي من خلال إبراز تفاصيل الحركة والإيقاع وهو ما منح الجسد مركزية مطلقة على الخشبة.

وفي ما بتعلق بالقضايا المطروحة، فإن العمل لا يقدم خطابا سياسيا مباشرا غير أن بنيته الأدائية تحيل إلى سياقات أوسع ترتبط بالتاريخ الاستعماري للقارة الأفريقية. وقد أثارت المخرجة السياسة الاستعمارية المتوحشة للعالم الغربي في القارة الأفريقية والتي ما تزال آثارها قائمة إلى اليوم.

المصدر : العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى