‘الإنسان الرابع’: الجبالي يعود إلى الخشبة ليحتفي بنهاية الهويّة البشرية
مانيفستو مسرحي يشيّعُ جثمان البشرية بجماليات الصدمة، ويُعلي راية الفن كآخر خنادق المقاومة في زمن الخوارزميات.
‘الإنسان الرابع’: الجبالي يعود إلى الخشبة ليحتفي بنهاية الهويّة البشرية
أمل الهذيلي
بعد احتجاب دام ثلاثة عشر حولا عن خشبة المسرح، أنهى “صاحب المصباح” توفيق الجبالي قطيعته الجسدية مع الركح في عمله الجديد “الإنسان الرابع” (كتابة وإخراجاً وتمثيلاً) ليقدّم مرثية أنتروبولوجية جارحة لا تكتفي بجلد الذات، بل تُعلن عن نهاية عصر الإنسان الحالي وبداية كائن هجين بملامح مشوّهة وعقل مُستلب.
سلسلة العروض التي انطلقت منذ الأسبوع الماضي رُفعت فيها جميعها لافتة ”كامل العدد”، ولعلّ أسباب الإغراء في هذا العمل كثيرة: بداية من عنوانه الذي يُطلّ كبيان جنائزي معلنا وفاة الإنسان كما عرفناه وولادة ”مسخٍ تقني جديد”، وصولا إلى مثولُ الجبالي أمام مختبره الخاص كفاعلٍ وحدث، وهي عودة طال انتظارها من جمهوره.
عن هذا التجلّي يقول الجبالي في تصريحه لموقع ”ميدل ايست أونلاين”، بزهده المعهود: “دائما ما أترك الصدفة تأخذ القرار.. شعرتُ في هذا العمل بإمكانية مساهمة متواضعة أو جزئية مني، إرضاءً لنوع من- لا أقول نرجسية- بل فكرة.. لعبة ألعبها مع بقية الممثلين..حماس قد يأخذني بهم ومعهم” ويشدّد ”أردتُ أيضا أن أكون شاهداً على نهاية البشر وبداية عصر الإنسان الرابع.. شاهداً على بداية نهاية الإنسان الحالي”.

تنبيه للمتفرج
عن هذا العمل، كتب الفنان عصام العياري تدوينة في شكل تحذير للمتفرج، جاء فيها ”إن عودة الجبالي إلى الخشبة في الإنسان الرابع ليست استعراضاً للمهارات أو بحثاً عن بريق الإبهار؛ بل هي تجربة وجودية تبحث عن سبل المقاومة في هذا العصر الرديء. المسرح هنا هو “الملاذ الأخير” الذي نختبر فيه بقاءنا كبشر، ونمارس فيه طقوسنا بحرّية كاملة، بعيداً عن وصاية السلطة؛ سواء كانت سياسية، أخلاقية، أو حتى سلطة الجمهور نفسه..”.
وأضاف العياري ردا على قراءات مختلفة للعرض وجدل ”الإبهام” الذي قد يكون لاحقه ”أما “الإنسان الرابع”، فخلافاً للتوقعات التي رسمته ككائن مريض أو متغطرس، فقد تجلى على الركح بروح “خفيفة” ورياضية، كاشفاً زيف ادعاءاتنا بالحرية. ففي مواجهة مع الممثل مهدي الكامل الذي حاول استنكار “ألاعيب” هذا الكائن ورفض استعباده، جاء الرد الخوارزمي ساخراً ومفحما: ”الحضارة متاعك بلّها واشرب ماءها..نهار اللي نقرر، بقرصة صبع، نفسخكم من الوجود، وكأنكم كنتم مجرد هرج”.
لم يسلم الجمهور من مبضع الجبالي كذلك؛ فالمسرح عنده مشاركة وندية لا خدمة فندقية. يضع الجبالي مرآة أمام أنواع المتفرجين (المستهلك، الخامل، الخائف..) ليقول بصرامة: “نحن على المسرح، لسنا في حديقة حيوانات أو مقهى أو مدرسة أو مسجد.. المسرح له قواعده”. ويوضح فلسفته في التواصل قائلاً: “أفضّل أن أكون غير مفهوم على أن أكون مقبولاً.. دون استعلاء.. هي مشاركة وندية، فالجمهور يعتقد أحياناً أن الفنان في خدمته”.PreviousNext

من “جحا” إلى “ChatGPT”: كوميديا في غرفة الإنعاش
يفتتح الجبالي عرضه بنادرة لـ “جحا”، لكنها سابقة من نوعها؛ جحا هنا لا يضحك أحداً، بل يبدو مشلولاً أمام تغوّل الذكاء الاصطناعي وقدرة “ChatGPT” على إعادة تدوير الفكاهة. هنا يطرح الجبالي سؤاله الوجودي: هل يجب أن نأسف على اختفاء “بهلوان الملك”؟. يرى الجبالي أن هذه النهاية ليست مأساة تقليدية، بل هي “رقصة الديك المذبوح”، فيقول ”نحتفي بها لأننا ما زلنا أحياء إلى أن يأتي ما يخالف ذلك؛ قد تكون حرب إبادة أو حربا رقمية..”.

اللغة حقل ألغام.. ووجوه “البوتوكس”
على الركح، نرى أربع نساء وراء عُلب زجاجية، يرتدين أقنعة مشوّهة ويحملن ذاكرة مقموعة من “البراكاجات” والإهانات، يرقصن بهستيريا انتقامية بملابس مبهجة تتناقض مع برودة العالم الذي تحكينه. أما الجبالي، فيتجلّى في ثلاث هيئات: إله قديم لا يفهم مخلوقاته، ومهرّج يرتدي قناع التخفي، ثم مقدّم عرض يحمل مصباح المعرفة ليضيء عتمة مُمثليه.
يُظهر الجبالي تمكناً مطلقاً من أدوات الركح، فـ “حقيبة اليد” الغامضة تتحوّل من إكسسوار إلى بؤرة للبؤس المعاصر، تلتصق بحاملاتها كاشفة عن الوجوه شوهها “البوتوكس” والتفاعل الخوارزمي. يعتمد الجبالي هنا على “الكتابة الترميزية والملغومة”، حيث اللغة عنده ليست مجرد منطوق، بل هي “لعبة النعم واللا.. الحفر فيها يكون سبب تمظهرها مسرحياً.. أستعمل الكلمات كما تُصنع المتفجرات”. فالثراء اللغوي المُهمل اليوم، يطوّعه الجبالي ويجعله طاقة تكشف “الفراغ الذهني” الذي نعيشه.
يرى الجبالي أننا نفقد “قاموسنا” وقدرتنا على العصيان، محذّراً: “إذا أردت أن تُخضع شعباً، فلا داعي لإرسال الصواريخ، يكفي أن تسلب منه لغته”.

الإنسان الرابع.. والملاذ الأخير
من هو الإنسان الرابع؟ إنه الكائن المتشظي بين اللحم والبيانات. وفي المسرحية، يبدو البشر مسلوبين مهرولين في حلقات مفرغة، يستجدون “الخضوع” بذريعة الحب.
يفتتح توفيق الجبالي ما قبل عرضه بتباين صادم؛ فبينما تصدح أوبرا “لاترافياتا” وتتمايل عرائس البالون في استهتار يحاكي “الكوميديا دي لاراتي”، تهبط كلمات الجبالي الترجييدية المنعكسة على الركح لتعلن أن المسرح ليس ترفاً، بل هو “فعل دفاع مشروع عن النفس” في عالم لم يعد جديراً بمبدعيه الراحلين:
”للذين رحلوا..وتركوا فينا أثراً لا يمحى.. إلى زينب، الشاذلي، رضا، بشير، بدري.. وغيرهم الكثير.
هذا المسرح الذي نواصله من دونكم.. ليس فضاءً للترفيه، ولا استعراضاً، ولا ترفاً.
إنه فعلُ دفاعٍ مشروع عن النفس.. طريقةٌ للنجاة.
العالم الذي تركتموه خلفكم لم يعد جديراً بكم. نحن نسير على خطى الضحايا، بينما تحتفي الشاشات بالجلادين.
الكراهية تُنظّم، والحرب تُباع، والحرية تُروى كأنها حدوتة للأطفال.
لم يتبقَّ شيءٌ تقريباً، إلا هذا المسرح.
المنعكس الأخير. الملاذ الأخير.
والدليل الأخير على أننا ما زلنا نشعر، وعلى ما يجعل منا، حتى الآن، كائنات بشرية”
وفي مختبر “التياترو”، نرى امتداداً لتجارب الجبالي السابقة مثل “على هواك”، حيث تتحوّل أصوات اليومي (كالدراجات النارية) إلى “أوركسترا مسرحية”.
وعن مستقبل هذا الفن أمام زحف الآلة، يجيب الجبالي بيقين: “إذا عاد المسرح إلى إنسانيته وأصوله ولا يكون في تنافس مع التكنولوجيا.. إن عاد إلى البشرية.. فقد ينجو”.



المصدر : MEO



